ندرك أن الظروف والمتغيرات في المحبط العربي والإقليمي سببت حالة من الارتباك الشديد لدى السلطة الفلسطينية وقادتها في الضفة الغربية، ولكن ذلك بطبيعة الحال لا يعني أن نطلق دعوات تنادي بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، كما أن ذلك لا يعني أن نسمح لأنفسنا بالانسياق والانجراف نحو المجهول وكأن الانتخابات أمر هيّن وعبارة عن ممارسة عشوائية يمكن القيام بها خلال مرحلة قصيرة من الزمن.
وبدون شك أن القائمين على هذا الأمر يفهمون تماما ماذا يفعلون، حيث أن الانتخابات بهذه الصورة والدعوة لها بهذه الواقعية هي مطلب غير مقبول البتّة وعلى كافة المستويات وذلك بناء على محددات وأسباب واقعية يعيشها الشعب الفلسطيني يجب الاهتمام والنظر مليا إليها.
أولى هذه الأسباب التي لا يمكن إجراء أي انتخابات في ظل وجودها هي استمرار حالة الانقسام الفلسطيني بين الضفة الغربية وقطاع غزة؛ إذ لا يعقل أن تقوم انتخابات كالتي دعت لها اللجنة التنفيذية بمنظمة التحرير الفلسطينية فاقدة الشرعية، حيث أن إنهاء حالة الانقسام هو مطلب جماهيري عريض ولا أحد يمكن أن يتخذ أي خطوة إستراتيجية تمس مصلحة شعبنا الفلسطيني دون إنهاء الانقسام، وإن أي دعوة لمثل هذه الانتخابات تترجم بتعزيز الانقسام الفلسطيني لا غير.
ثم إن الفشل الذريع الذي مُنيت به مسيرة المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وبين الاحتلال "الإسرائيلي" على مدار سنوات طويلة والتي أثمرت مآسي وتنازلات وآلام لشعبنا الفلسطيني؛ لهو سبب إضافي من وراء هذه الدعوة غير الواقعية لعقد انتخابات فلسطينية، وبالتالي هي دعوة مرفوضة تماما.
وهناك ثمة سؤال على درجة عالية من الأهمية وهو/ لماذا وإلى هذه اللحظة يرفض الإخوة في حركة فتح الاعتراف بعظيم خطأهم بخصوص فشلهم في مسيرة المفاوضات؟، إن الوقوع في الخطأ ليس عيبا، وإنما العيب هو الإصرار على الخطأ والولوغ بل والعناد على ذلك، أما الخروج من هذا العيب بهذه الطريقة الملتوية أيضا هو طريقة مرفوضة لأن الشعب الفلسطيني بمثقفيه ومتعلميه لديه المحصلة الواسعة من الفهم تجعله يدرك ما يجري على أرض الواقع.
إننا نعتقد أن الأولى من الدعوة لانتخابات فلسطينية في هذه الظروف والمتغيرات العربية والإقليمية هو تحقيق الرغبة في الاستجابة لمطالب الشعب الفلسطيني الواقعية والتي تتمثل في وقف كافة أشكال التنسيق الأمني مع الاحتلال "الإسرائيلي" ووقف الاعتقالات المستمرة في الضفة الغربية على خلفية سياسية ووقف ملاحقة المقاومة وأنصارها في الضفة المحتلة، والتراجع عن الأخطاء الفادحة في مسيرة السلطة الفلسطينية والتي كان آخرها ما أظهرتها وثائق الجزيرة وما عقبها من استقالة د. صائب عريقات وحالة الهيجان والارتباك والإحباط التي تسود صفوف السلطة الفلسطينية وهيئاتها القيادية والتنظيمية لحركة فتح، وغير ذلك من مطالب معلنة وواقعية.
إننا نصرخ ونزعم بأن هذا الوقت هو الوقت المناسب للإعلان عن التخلص من اتفاقيات التسوية والتي منها اتفاقية أوسلو برمتها والتي ما عادت إلا بالدمار على القضية الفلسطينية بكافة مكوناتها وأركانها، بل إن التراجع عن أي خطأ في هذا الوقت الحساس سيعطي للجماهير الفلسطينية مزيدا من الثقة نحو الأفضل، كما أن إسقاط مبدأ المفاوضات مع الاحتلال "الإسرائيلي" هو مطلب شرعي وواقعي وجماهيري ويجب أن يتم تنفيذه حالا.
ثم بعد كل هذا وبعد عملية واسعة من التوافق الوطني بين كافة الفصائل الفلسطينية فإن إجراء الانتخابات يكون مطلبا ضروريا من أجل تصحيح البوصلة التي يسير باتجاهها شعبنا الفلسطيني خلال الأعوام العشرين الماضية.


