بمنطق السياسة والحكم ، لم يكن ثمة ما يدعو النظام السوري إلى إعادة الإخوان المسلمين السوريين إلى بلدهم ما داموا لا يشكلون عليه ضغطا يذكر ، فكيف حين يسعفه منطق الأمن الذي يتحرك وفق المثل الشعبي القائل "الباب اللي بجيك منه الريح ، سدّه واستريح"؟،
في الحوار الذي أجرته معه مؤخرا صحيفة الشرق القطرية قبل أسابيع ، ذهب المراقب العام لإخوان سوريا بعيدا في تقديم التنازلات للنظام ، ويبدو أن الحوار قد أجري قبل ثورة تونس ، وإن نشر قبل اندلاعها ، بدليل حوارات وتصريحات تالية تحدث من خلالها عن إمكانية دعوة الشعب السوري للتحرك وصولا إلى العصيان المدني.
لا يتحدث المراقب في الحوار المشار إليه آنفا بشكل صريح عن العودة الفردية ، لكن مضمون الكلام قد يشي بذلك ، حيث يقول : "لو سُمح لنا بالنزول إلى سورية ، سنعمل فقط في مجال الدعوة بدون اسم الإخوان المسلمين ، وبدون أي أحزاب ، إلا إذا صار نظاما حزبيا ووافقت الدولة عليه" ، مع ضرورة الإشارة إلى أن الكلام يحتمل شيئا آخر ، إذ أن تغيير الاسم قد يعني مسمى جديدا لكيان جديد أيضا.
الشرط الوحيد الذي يطرحه المراقب عمليا هو عدم العودة من البوابة الأمنية ، أما شرط إطلاق المعتقلين وكشف مصير المفقودين ، فهو تحصيل حاصل ، لأن أكثر المعتقلين قد أفرج عنهم ، بينما يعرف الجميع مصير المفقودين ، بصرف النظر عن الطريقة التي قضوا من خلالها نحبهم ، يرحمهم الله جميعا.
لا نعرف كيف سيرد النظام السوري على هذه اللغة الجديدة نسبيا من طرف الإخوان ، وهل سيقابلهم في منتصف الطريق ، أم سيمضي في سياسة تجاهل الموقف وكأن شيئا لم يحدث؟،
الأكيد أن ما جرى في تونس سيكون له أثره على طريقة تعاطي الأنظمة العربية مع شعوبها ، وسوريا ليست استثناء على هذا الصعيد رغم مواقفها القومية الجيدة ، وعموما لن يكون بوسع الدولة الأمنية أن تواجه غضب الجماهير حين يفيض كأسها.
في حواره مع صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية بشّر الرئيس السوري بشار الأسد بإصلاحات "غير جذرية" في بنية النظام تشمل انتخابات بلدية وقانون جيد للإعلام ومنح المزيد من السلطات للمنظمات غير الحكومية ، إضافة إلى إجراءات اقتصادية لتخفيف الأعباء على الناس.
في الحوار يرى الرئيس السوري أن معارضته لأمريكا والكيان الصهيوني جعلت موقعه أفضل في بلاده ، وهذا صحيح إلى حد كبير ، لكنه لن يكون كافيا لإرضاء الناس ما لم تحل القضايا الإشكالية الأخرى ، وتنبغي الإشارة هنا إلى أن للدولة الأمنية طقوسها العامة التي تبدو قريبة من بعضها البعض ، إذ أنها بطبعها تفرّخ الفساد وتغيّب العدل والمساواة وتخنق الحريات.
عودة إلى الإخوان المسلمين. هنا ينبغي التذكير بامتداداتهم في الداخل ، إذ لكل منهم أهل وعشيرة ، وليس من المنطق تجاهل ذلك ، كما أن من غير المنطق حصر العودة الفردية في البوابة الأمنية التي تنفتح على مجهول بالنسبة للعائدين كما دلت التجربة ، بمن في ذلك شبان لم يكونوا جزءًا من المعركة التي نشبت بين النظام والإخوان قبل أكثر من ثلاثة عقود ، فيما نعلم أن أكثر الرموز المؤثرين في تلك المرحلة قد أصبحوا في خريف العمر (مضى على المعركة ثلاثة عقود كاملة).
كان لافتا في هذا السياق ذلك التسامح الذي أبداه النظام خلال السنوات الأخيرة ممثلا في منح عناصر الإخوان وسائر الفارين بسبب مواقف سياسية جوازات سفر ، وإن تكن لمدة عامين فقط. وفيما كان الناس ينتظرون خطوة أفضل بمنحهم جواز سفر كامل المدة يخفف عليهم عبء التجديد كل عامين ، جاء الموقف الجديد بوقف تجديد الجوازات القديمة ، الأمر الذي سيدخل أصحابها في وضع حرج ، لاسيما أن الجوازات المزورة القديمة لم يعد لها وجود بعد ما جرى في العراق ، فضلا عن أن أحدا لم يخطر على باله أن يصار إلى العودة عن سياسة منح الجوازات.
مرة أخرى نقول ، ومن موقع الانحياز لمواقف سوريا القومية ، إن من الأفضل لها أن تلمّ شعث أبنائها المهجرين في الخارج ، بخاصة أن أكثرهم لم يكن جزءا من المشكلة كما ذكرنا آنفا ، الأمر الذي ينبغي أن يكون جزءًا من سياسة أوسع عنوانها الانفتاح على جماهير الشعب ، وتحسين شروط الحرية والتعددية السياسية التي تشمل الجميع ، فما بعد ثورتي تونس ومصر زمن جديد لا بد أن يدرك العقلاء شروطه ومتطلباته.


