استمعت بعناية فائقة لخطاب الرئيس المصري حسني مبارك، وأنا أتابع ما يجري في الساحة المصرية، وما جاء في الخطاب مدروساً بعناية فائقة، وكل كلمة به أخطر من الأخرى، وفيه من الكبر والاستعلاء والكراهية ما يكفي لتوقع القادم لو نجح مبارك بالفعل في تحقيق ما رسم في خطابه من سياسة تنتظر الشعب المصري، ولكن الشعب المصري لن يتيح له الفرصة ويتصدى لكل المحاولات لأنهم يدركون ما سيكون لو سلموا وانخدعوا.
السيناريو المتوقع بعد الخطاب، والإحباط الذي أصاب المواطنين المصريين الذين كانوا يتوقعون أن يعلن مبارك تنحيه عن السلطة حتى يجنب الشعب المصري السوء القادم نتيجة إصرار مبارك على البقاء في سدة الحكم، وعدم الاستجابة إلى مطالب الشعب المصري، الأمر الذي سيقطع الطريق على أي محاولة للخروج من الأزمة القادمة وإفساح المجال أمام مبارك للخروج من المشهد السياسي بشكل آمن وبطريقة طوعية ودون اللجوء إلى القوة من قبل المتظاهرين بعد انتهاء المهلة التي أعلنوا عنها وهي يوم الجمعة القادمة.
السيناريو المتوقع يوم الجمعة خطير جداً، خاصة وأن الإصرار واضح من قبل الشعب المصري بعد عناد مبارك، لأن الخطاب بمضامينه جاء متأخرا خاصة بعد الدماء التي سالت، والتي قطعت الطريق على أي مصالحة، ما تحدث به مبارك كان يمكن أن يكون مقبولا قبل الدماء والشهداء والجرحى، بعد الدم يجب أن يكون الحل مختلفاً، وكان على مبارك ومن حوله أن يوضحوا له الأمور ويؤكدوا له أن الانتقام لن يحقق له شيئاً ولن يبقيه في سدة الحكم، ولا خيار له لو كان يحب مصر إلا الخروج السلس والآمن.
ما أتوقعه أن تتحرك الجموع نحو القصر الجمهوري وحصاره، ثم العمل على التقدم نحو الأبواب المحصنة جيدا والمدججة برجال الأمن وحرس الرئاسة ورجال أمن الدولة والجيش، وستصدر الأوامر للجيش المصري بالتصدي للمتظاهرين، وهنا تكمن الخطورة من ناحيتين، الأولى أن التصدي للمتظاهرين يعني بحراً من الدماء ومزيداً من الشهداء والجرحى، والثانية هو أن يكون هناك انقسام في الجيش، قسم مع القرار من قيادة الجيش ومواجهة المواطنين والمتظاهرين والقسم الثاني سيتمرد على القرار، وسيقف في مواجهة القسم الذي سينفذ القرار، وهذا هو الأخطر لأن المواجهة ستكون أعنف وبحر الدماء لا حدود له ستغرق فيه مصر إلى جانب الدمار الكبير الذي سيلحق بمقدرات البلد، وفي النهاية ستكون الكفة الرابحة هي كفة الشعب؛ ولكن سيكون الثمن باهظا والكارثة أكبر.
يومان ما لم يتم تدارك الأمر سيكون المشهد مؤلماً، وما لم يترك مبارك عناده وتحديه وانتقامه ويغادر الأراضي المصرية إلى حيث يريد كما فعل زين العابدين بن علي، فسيخرج بعد المجازر من القصر الجمهوري بشكل مذل وسيسحل في شوارع القاهرة، وأعتقد أن موقف مثل هذا لن يكون في صالح مبارك ولا في صالح مصر، وسياسة الأرض المحروقة التي يسعى إليها مبارك ليست في صالح رجل عسكري، وسيكون الفصل الأخير مذلاً ومخزياً.
لا نملك في ظل ما نشاهد ونسمع إلا أن ندعو الله أن يحفظ مصر، ويجنبها الفتنة وحمام الدماء لو أصر مبارك على عناده، وندعو الشعب المصري إلى الصبر وعدم التسرع، وقطع الطريق على أي عدوان تخطط له عصابة مبارك على الشعب المصري، وفي النهاية إرادة الشعوب هي المنتصرة.


