الخميس 01 يناير 2026 الساعة 07:40 م

مقالات وآراء

حذار فهذا عصر الشعوب

حجم الخط

يبدو أن هذا العقد هو عقد الشعوب ، إذ لم يعد من المقبول أو المعقول أن يظل الحاكم حاكما لعشرات السنين، رغم أن نظامه جمهوري لا ملكياً، بما يتعارض مع أول سطر في مفهوم الديمقراطية، وليس هناك من نظام دولة أوروبية أو في شرق آسيا من يقر هذا أو يعمل به، فنادراً أن مكث رئيس في أمريكا لفترات ثلاث، وكذا في بريطانيا وفرنسا وألمانيا، كما في الهند واليابان، وجنوب أفريقيا...

 

ولا يوجد هذا إلا في الدول التي لا تزال توصف بأنها نامية وهي أبعد ما تكون عن النمو، فلا صناعات ثقيلة ولا تطور تقني، ولا صناعة سلاح، وبنظرة خاطفة إلى دولة مثل (فنلندا) التي لا تتجاوز مساحتها مساحة محافظة الجيزة بمصر، لنجد أن عائداتها من صناعة (نوكيا) قد تجاوزت مدخولات الوطن العربي قاطبة مرات رغم أن كثيرا من دولة تعوم على محيطات من البترول والغاز الطبيعي، والتي تنفق في معظمها على البذخ والترف، وإلى جيوب المفسدين، وبناء الأبراج التي تناطح الشمس للمتعة، ومهرجانات السينما والموسيقى والرقص، والليالي الحمراء...

 

كما يذهب قسم كبير منها إلى الإنفاق على أجهزة أمنية لحماية النظام واستمراره لعشرات السنين مقابل إطلاق أيدي رجالاته لتسوم الشعب سوء العذاب وأبشعه وأحقره، وتبتز المواطن وتطلق يد اللصوص لتنهب ثروات الوطن، وتربط مصالحها بجهات خارجية؛ لتستشري المحسوبية والرشوة والتسلط ، ليزداد الفقراء فقراً والأغنياء ثراء فاحشاً، وتكتظ السجون بالأحرار والمعارضين فيضطر فريق منهم إلى ترك الوطن إلى المنافي والشتات إلى أوطان كانت بالأمس استعمارية...

 

وأما اليوم فحكوماتها هي التي تسيّر دفة الحكم في هذا العالم النامي ( !!) تلك السمات الحقيقية لهذا الأنظمة، ورغم ذلك فإنها تملأ الدنيا ضجيجاً وعجيجاً عن التقدم في كل مجالات الحياة التي أحرزها النظام؛ وكأن الوطن صار جنة الله في أرضه، وصار المواطن في بحبوحة من العيش، ينعم بكل الحريات ،ويتمتع بكل الحقوق التي عجزت عن توفيرها سويسرا لمواطنيها أو سنغافورة؛ كما وعدنا الراحل عرفات!!

 

وتمضي السنين والتخلف يزداد، والفقر والجهل والفساد، وتنحط منظومة القيم، و يظهر التحلل من مبادئ الأخلاق ، فضلا عن التواكل والتبعية، والرضوخ لمشيئات الغرب خاصة أمريكا، والعمل ما أمكن لاسترضاء (إسرائيل)، وكلما نجح الحاكم في ذلك ازداد نظامه قوة وشراسة وإزدادت له أمريكا له دعماً وابتزازاً ، وازدادت (إسرائيل) له اختراقاً وعليه دلالاً ، وأما المواطن فإلى قاع قاع العوز والفقر والقهر، وإلى ذروة الخوف والعبودية...

 

ولعل هذا هو الطابع العام لأنظمة الحكم ، وما آلت له أحوال المواطن والوطن ؛ حتى دب اليأس في قلوب الغيورين والطامحين إلى التغيير إلى حياة كريمة بعدما سدت أبواب الديمقراطية في وجوههم ، كما استحال عليهم ذلك عسكرياً ، بعد أن تحولت الجيوش حصوناً من حول الرئيس ونظامه ، وتحولت المؤسسات الدينية ( الرسمية ) إلى أبواق لتمجيده وإصدار الفتاوى بتأليهه وتبرئته من الأخطاء فضلا عن الخطايا.. وإذا بالانفجار الشعبي وكأنه انبعاث من في القبور؛ أجساد عارية وصدور مكشوفة ، ورؤوس حاسرة ، وأياد عزلاء ، لا تبالي بالرصاص القاتل، ولا بالهراوات الفولاذية ولا بالغازات السامة أو الخانقة ولا بالسجن ولا السجان ولا الكرابيج...

 

وإذا بالأنظمة تتأرجح، وتميد الأرض من تحتها، وإذا بالرؤساء ( الملوك ) أو ( الآلهة ) بشر، يخافون ويتوسلون ويتسولون، ويحكمون على أنفسهم بالنفي والتشريد، ويلوذون بالأقوياء، عظماء لو لم يظلموا وعدلوا، لو لم يتشبثوا بمقاعدهم ومروا عنها مرور الكرام، لو استثمروا طاقات أمتهم وثروات أوطانهم لرفعتها، لو لم يحيطوا أنفسهم بمظاهر العظمة الكاذبة وبالجلادين!! ولكن آه من لو هذه فيمن مضى وفيما مضى...