صدق حافظ إبراهيم في قصيدته الرائعة (مصر تتحدث عن نفسها)، والتي صاغها السنباطي لحنا، شدت به أم كلثوم:
أنا إن قدر الإله فنائي لا ترى الشرق يرفع الرأس بعدي
فمصر على مدار التاريخ هي مقبرة الغزاة، و جندها هم خير أجناد الأرض، ولها أخطر موقع استراتيجي في العالم، فهي همزة الوصل بين ثلاث قارات ( آسيا وأفريقيا وأوروبا ) وصاحبة أقدم وأعظم حضارة في التاريخ القديم، وعلى عتباتها تحطمت سيوف المتآمرين؛ من هكسوس وتتار، وصليبيين، وصهاينة، وهي بيضة القبان، فإن مالت كفتها ( ضعفا ) أو ( اضطرابا ) أو ( تقهقرا ) مال الشرق، وإن ارتفعت (نصرا) و ( قيادة ) ارتفع الشرق .. هي مصر .. المحروسة ... أم الدنيا .... هي مصر عمرو بن العاص، وصلاح الدين، وسيف الدين قطز، والظاهر بيبرس... هي مصر الليث بن سعد ، والشافعي، هي مصر الأزهر والجامعات وحسن البنا، هي مصر المفكرون ، وقادة الرأي والفلاسفة...
هي مصر النيل وقناة السويس ، هي مصر الإسلام والعروبة، هي مصر دار ابن لقمان، وصرخة أحمد عرابي في وجه الطاغية ( توفيق)، مصر عمر مكرم ومحمود سامي البارودي، هي مصر الشهداء على أرض فلسطين، على أرض الجزائر واليمن، هي مصر الشعراء والفنانين، وعبد الله النديم، هي مصر الصحافة والسياسة والثقافة وموئل الأحرار ، هي مصر التي نرى اليوم وجهها الحقيقي، وتلك سمات محاسنها ، مصر الصابرة على الظلم والبغي والطغيان ، ولكن ليس صبر العاجزين ولا الجبناء ولا المستسلمين ، مصر التي تفاجئ العالم – دوما- بأنها تقول : لا، في الوقت الذي يؤمن ( الآخرون ) أنها لن تقولها أبدا ، مصر التي قال فيها حافظ إبراهيم:
مصر التي في خاطري وفي فمي أحبها من كل روحي ودمي
بني الحمى والوطن من منكم يحبها حبي أنا .. حبي أنا
نحبها من روحنـــــا ونفتديها بالعزيز الأكرم
ها هي تقول: لا بملء فيها، تقولها للقيد وتقولها للاستبداد وتقولها للسجن والسجان والكرباج، وتقولها للتبعية والاسترقاق والهيمنة الأمريكية، هي مصر التي لا تبالي بالرصاص إذا ما توجه لصدرها، فصدرها كبير كبير، نعم ينزف شهداء إذا ما أصابه رصاص الغدر ، ولكن هناك الملايين الذين سينعمون بالنور الذي يتفجر من دمائهم ، ولذا يتسابق أبناؤها ليكونوا منارات نور!!
كان اليأس قد استبد بالكثير ممن يرقبون حال مصر، قد كانوا ينظرون إليها فلا يرون إلا الزبد، ولكن جوهرة مصر بهرت الكون عندما تلألأ ضياؤها من حناجر ( الشباب ) لم يكن أحد يظن أن شباب مصر ( كيان ) له القدرة على أن يقف في وجه أعتى جهاز، وأعتى إمبراطورية مليارديرات، وإمبراطورية الحزب الوطني، وإمبراطورية السجون والتعذيب والقتل وكواتم الصوت والسيوف التي تحتز ألسنة الرأي، وإذا بشباب مصر إعصار جرف كل ذلك، تحدت جماجمهم العصي الفولاذية التي أعدها أحمد عز خصيصا ليحطمها، وفعلا كسر جمجمة فأخرى فثالثة فمائة وبقيت رؤوس الملايين – من بعد – شامخة؛ فحطمت فولاذ أحمد عز وانهارت إمبراطوريته مع إمبراطوريات الفساد ...
يا مصر، ويا شباب مصر قلبي معكم .. واحذروا من اللصوص وقطاع الطريق والسفاحين.. احذروا عصابات النهب والسلب ، واحذروا أباطرة المخدرات وجواسيس الموساد .. يا جيش مصر.. يا حفيد الفاتحين من القادة العظام ، انظر حولك فلن تجد إلا أمك وأخاك وأباك وابنك وجارك وزميلك .. هم الثوار .. فاحذر أن تسيل من شرايينهم قطرة دم واحدة، فرصاصك طاهر.. لم يتلوث بدماء الأحرار ، ما كان إلا لحماية مصر من الغزاة ومن الاستعمار الداخلي... عاشت مصر وعاش شعب مصر وعاشت الثورة في نقاء ...

