حركة فتح وكما يعلم صغار فلسطين أنها مكونة من ثلاثة حروف (ف ت ح) اختصار لكلمات ثلاث (حركة تحرير فلسطين)، وعندما وجد مؤسسها أنها تكون كلمة (حتف) بأخذ الحروف الثلاثة الأولى بمعنى (موت) كان لابد من قلب حروفها لتصبح (فتح) بما يتماشى مع الهدف الأسمى الذي التقى عليه أولئك المؤسسون، كانوا في معظمهم من شباب (الإخوان المسلمين)، خليل الوزير (المؤسس الأول لحركة فتح) وكمال عدوان وسليم الزعنون ومحمد يوسف النجار ورياض الزعنون وصلاح خلف وفتحي البلعاوي ورفيق النتشة وأسعد الصفطاوي، كما يؤكد أحد قادة الإخوان المصريين المرحوم حسن دوح أن ياسر عرفات قد تلقى تدريباته العسكرية في معسكرات الإخوان، وشارك في مقاومة الإنجليز في قناة السويس أوائل الخمسينيات...
وبذا فإن الحركة قد نبتت كفكرة جهادية جعلت من تحرير فلسطين – كل فلسطين – هدفها الأسمى وهذا ما ينطق به بيانها الأول، وأدبياتها التي تمثلت في أناشيدها الثورية (ولا حبة رملة) (مش منا أبدا مش منا ولا منا ولا من كل العرب) (يا جماهير الأرض المحتلة) ومقررات مؤتمراتها، وعقيدة مقاتليها...
هذا ما جر عليها نقمة الأنظمة العربية ابتداء، ولقد ظلت عقيدة فتح هي تحرير فلسطين كل فلسطين من بحرها إلى نهرها ، حتى انتقلت إلى بيروت، وبدأ بعض قياداتها في التواصل مع اليسار الإسرائيلي، فأخذ يتسلل لها الإحساس باستحالة تحقيق الهدف و النظرة الواقعية للخارطة، وتوازن القوى، والمفاهيم البارجماتية والتي تلت دخولها م.ت.ف التي كانت جسما رسميا له شرعية عربية ، و جيش نظامي ، و كان ذلك بعد الهزيمة الساحقة سنة 67، وما تلاها من معركة الكرامة سنة 68 و انزواء أحمد الشقيري أول رئيس لـ م.ت.ف...
ومن هنا فقد انتقلت فتح من حركة ثورية هدفها الأسمى تحرير فلسطين - كل فلسطين - إلى نظام رسمي، فورثت كل مؤسسات م.ت.ف و خاصة بعد أن استوعبت المنظمة كل فصائل النضال الفلسطيني والتي تمثل فتح أكبرها وأقواها من حيث العدد والعدة و الشهرة، وأكثرها رصيدا عملياتيا، الأمر الذي أهلها للهيمنة على م.ت.ف فرئيسها هو رئيسها، ولجنتها التنفيذية ومجلسها الوطني وصندوقها القومي ، فلفتح - في كل ذلك الأغلبية - وبالتالي فهي القرار ، ولا يربط الفصائل بالمنظمة- رغم الاختلاف الحاد بين أمنائها العامين ورئيس م.ت.ف (عرفات) - إلا تحصيل مستحقات كل فصيل من الصندوق القومي وميزانية المنظمة، والتي لا يمكن تحصيلها إلا بعد أن يمهرها عرفات بتوقيعه، وظل شأن المنظمة برئاسة فتح وقيادتها حتى دخلت ملعب المفاوضات، والتي سبقها كما أسلفت الاتصال بقوى اليسار الإسرائيلي، والتي كانت بمثابة استدراج لهزيمة نفسية شكلت الاستعداد العقلي الوجداني للإقرار بوجود دولة اسمها (إسرائيل) كأمر واقع ابتداء ، انتهى بالاعتراف السياسي، ثم الوجود الذي سيفضي إلى الاعتراف بيهوديتها!!
وما يترتب عليه من التزامات ، والتي يأتي في مقدمتها نزع العقيدة الثورية من صدور الرواد وعقولهم ، وقد عولج هذا بإيداعهم إلى المعاش؛ ليتسلم القيادة جيل آخر سكنت قلبه وعقله وضميره عقيدة بديلة هي السلام، الذي استلزم سلسلة الاعترافات سالفة الذكر بإسرائيل، وهذا لم يكن في يوم وليلة ولا طفرة، ولكن مر بتحولات فكرية وتنظيمية ومخاضات عسيرة استنزفت كثيرا من الأموال والجهود، وعقدت لها مؤتمرات، وتغييب أدمغة وإيجاد أخرى...
وكان اللاعب الأمهر في ذلك عباس وفريقه على الساحة، و(إسرائيل) وأمريكا والنظام العربي كصانعي أهداف أو ألعاب؛ الأمر الذي أدى إلى صهينة قيادة فتح التي هيمنت على المنظمة ولا تزال، وكان كثير من الجولات تجري سرا ولا يظهر أثرها إلا بعد أحايين حتى كان ما كشفت عنه الجزيرة من تلك الألاعيب والجولات (الوثائق )؛ بما ينبغي أن يشكل صدمة لكل فتحاوي، فيعيد إليه صوابه، ويعود إلى نقاء فتح الثوري، وإلا فالاندثار.


