تملؤني الدهشة ويستولي علي العجب وأنا أرى محمد الغنوشي، وفؤاد المبزع وهم في الحكم إلى هذه اللحظة، بينما يقف الشعب التونسي كل الشعب يرفضهم بإصرار، رفضاً يصل إلى درجة الإهانة، والتحقير والإدانة.
يرى التونسيون فيهم وجوهاً فاسدة، شاركت الطاغية طغيانه؛ فهم خاصة رجاله، وكوادر حزبه، ومنفذو سياساته، والساكتون على مباذله ولصوصياته، كل هذا يسمعونه صباح مساء في مسيرات هادرة لا تنقطع، تضم كل ألوان الطيف السياسي، وكل الفئات العمرية، حتى الشرطة، كلهم يهتفون بسقوطهم، والإطاحة بهم، ولا يزيدهم ذلك إلا تشبثاً في مقاعدهم!!
يسمعون رجلاً في قامة القرضاوي يحكم بوجوب إزاحتهم عن القيادة، وهم يتشبثون، يقف منصف المرزوقي مصراً على تشكيل حكومة إنقاذ وطني، وحل كل مؤسسات الطاغية لوضع دستور جديد للبلاد، وهم يصرون على البقاء ... فأي صنف من (الناس ) هؤلاء ؟!
تأتي ردودهم قرارات مشبعة بالنفاق لهذا الشعب الذي طالما أذلوه، تبدأ باستقالتهم من الحزب الذي كان غابتهم التي ينطلقون منها وحوشاً مفترسة لتمزق وتنهش وتمتص الدماء، وتأكل لحوم البشر، ثم يشطبون اسم ولي نعمتهم الذي جعل منهم – برضاهم – مسوخاً لا يجيدون إلا لثم أياديه الآثمة، ومباركة ظلمه واستبداده، وإعداد حفلات المجون لسيدتهم التي فاقت جرائمها جرائم جولدامائير في أطفال فلسطين، وتفوقت في فجورها على فجور ارتيستات ( البورنو) وكل هذا يعلمه الشعب التونسي عنهم وهم – أيضاً – يعلمونه عن أنفسهم.
ورغم ذلك يتشبثون، بل ويزيدون – كعادتهم – في الطأطأة لقوة الشعب، كما اعتادوا أن يطأطئوا للطاغية، ويصدرون قرارات بإطلاق الحريات التي صادروها لخمسين سنة، وتطهير الجامعات من أمنهم الذي كانت مهمته مصادرة الأمن من قلوب الطلاب وأساتذتهم، وينقضون على أولياء نعمتهم فيصادرون ما نهبوا، ويضعون الأصفاد في معاصم عماد الطرابلسي، وعلي السرياتي (امبراطور التعذيب) تنكراً وغدراً لتاريخ صنعوه أو شاركوا في صناعته، وتزلفاً للبقاء!!
عجيب.. عجيب فأي طين جبلت منها هياكل هؤلاء؟!! يقف وزير الداخلية أحمد فريعة في توسل مهين وبابتسامة هزيلة يستجدي البقاء، وهو الذي كان - بالأمس – اخطبوطاً بسياط من جهنم.. وها هو يذوب رقة ووداعة ، ولا يرى فيه الشعب إلا أفعواناً، تقطر أنيابه بدماء الأحرار وأشلاء الحرائر، والمصيبة أنه يبقى بعد ذلك ساعة ثم أخرى.... فأزداد عجباً ودهشة، هل يقبل ذلك حر ، وهل يرضى به من له إحساس بكرامته، بل أدنى إحساس؟ ويمعنون في التوسل ، فيصدرون قراراً بتشكيل لجنة تحقق فيمن قتل ( الثوار ) على الطاغية، فيزداد الشعب رفضاً لهم ، فهم – في نظره – من قتل الآلاف على مدى سني حكم الطاغية...
يعطي الغنوشي ( وزمرته ) وعداً قاطعاً باعتزال السياسة بعد الانتخابات، والشعب يصر على عزله الآن.. الآن وليس غداً ، ياه ، كم هي صفيقة وجوه ( هؤلاء ) ... أشعر بأنني أذوب خجلا وأنا أرى أمامي منبوذين بلا كرامة، لا يتوارون من ذلهم ومهانتهم، ويصرون على البقاء ؟!! وأين ؟!! في الحكم !!!
أحاول أن أنفذ إلى دواخلهم لأتعرف على مركّبات شخصياتهم وأبعادها النفسية ، فوجدت أمامي وجوهاً أعرفها؛ إنها وجوه لمنافقين ولصوص وعملاء وجواسيس في كل المواقع وفي كل العواصم ، ووجدتني أدندن بأهزوجة سمعتها كثيرا من جدتي:
الثوب إن هانّي ( أي أهانني ) لا عشت أنا أهريه ** والولد إن هانّي لا عشت أنا أربيه!! وأقول بحسرة: ولدينا في المقاطعة أمثالهم.
