الثلاثاء 29 سبتمبر 2020 الساعة 06:53 ص

مقالات وآراء

حكم الانتحار في الإسلام

حجم الخط

(..فرغم أن سؤال قريش كان عن القتال في الشهر الحرام وهو محرم وكبيرة من الكبائر بمقياس الإسلام، إلا أن القرآن في رده عليهم انتقل إلى دائرة أهم وتجاوز هذه الكبيرة ليناقش أساس المشكلة وهو الصد عن سبيل الله وإخراج الناس من ديارهم..

 

وهكذا ينبغي أن يكون المفتي، فلا يغرق في مناقشة بعض الأخطاء التي هي أخطاء وربما تكون من الكبائر، وينسى أساس المشكلة الذي أنتج هذه الأخطاء، ولا يخرج المسائل من سياقها العام، ولكن يركز على جذور المشكلة ويوجه اهتمام الناس إليها، فإذا قطعت هذه الجذور زالت الأعراض بالضرورة.)

 

يتسابق رجال الإفتاء هذه الأيام في إصدار فتاويهم بشأن إحراق النفس، الموضة التي راجت ما بعد الرابع عشر من يناير 2011 ويجتهدون في تبيان الحكم الشرعي للانتحار وسوق الأدلة على حرمته القطعية، وأن النفس ملك لله لا يحق لأحد سواه أن ينزعها، وهي فتوى صحيحة لا شك. ونحن ندعو إلى اللجوء إلى طرق أخرى  للاحتجاج على الظلم والاضطهاد الذي تعاني منه الشعوب العربية تحت أنظمة الحكم الاستبدادي، وإذا كان الشاب التونسي محمد البوعزيزي رحمه الله نجح بإحراق نفسه في إشعال ثورة أطاحت بحكم الطاغية، فإنه ليس من ضمانة بأن تتكرر التجربة بحرفيتها في أماكن أخرى، ذلك أن تكرار اللجوء إلى ذات الطريقة يجعل منها طريقةً مستهلكةً مبتذلةً ويفقدها فاعليتها وتأثيرها، كما أن حادثة إحراق شخص واحد نفسه لا يمكن أن تشعل ثورةً بهذا الحجم لولا تضافر مجموعة أخرى من العوامل اجتمعت ونضجت، ولم يكن دور الشاب بوعزيزي سوى أنه أشعل عود ثقاب في برميل بارود.

 

لذلك فإن تعليقي ليس على مضمون هذه الفتوى، ولكن على المنهج الفكري والفقهي لبعض المفتين، وفقه الأولويات عندهم، فينظرون إلى أحد الجوانب، ويغفلون جوانب أهم، ويتعاملون مع المسألة بشكل مقتطع دون التعليق على السياق الاجتماعي والسياسي الذي جاءت فيه، فتخرج الأحكام مبتورةً تتناول عرض المشكلة وتتغافل عن السبب الحقيقي الذي أدى إليها، كمن يفتي بحرمة السرقة بحق فقير يبحث عما يسد جوعته ولا يفتي بحرمة ترك المجتمع لهذا الفقير دون طعام ومأوى.

 

وكم ضاق صدري حين قرأت تعليق امرأة من بلاد الحرمين على ثورة الشعب التونسي في إحدى المنتديات الحوارية وهي تقول: إن هذه الثورة خروج على الحاكم، لا تجوز في الإسلام، ومن مات وهو خارج عن حاكمه فإن ميتته ميتة جاهلية، قلت:سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم..ما هذا التفكير الغريب، وما هو حكم الاستبداد في الإسلام، هل الصدع بكلمة الحق في وجه السلطان الجائر بطريقة سلمية دون إطلاق رصاصة واحدة من قبل الشعب خروج عن الحاكم يؤدي بصاحبه إلى ميتة الجاهلية؟

 

إن مشكلة هذا النمط من التفكير الذي لم تكن هذه الفتاة سوى إحدى ضحاياه أنه يقرأ النصوص قبل أن يقرأ الواقع، فيضع النصوص في غير مواضعها، والطريقة المثلى هي قراءة الواقع وفقهه جيداً ثم تنزيل النصوص المناسبة عليه.

 

هذا الغياب عن الواقع رأينا له مثالاً آخر هذه الأيام، فوجدنا قوماً لم يروا في كل أحداث الثورة التونسية المباركة ما يسترعي انتباههم ويستحق التعليق سوى قول أبي القاسم الشابي "ولا بد أن يستجيب القدر" وإن كان يجوز الاستدلال بهذا البيت، وكنت أود أن أسمع من نفس هؤلاء القوم إفتاءً إن كان يجوز مناصرة الظالم على شعبه وإيواؤه، واللبيب تغنيه الإشارة، وأيهما أكبر عند الله، الاستدلال ببيت شعر كان له أثره العميق في إلهام الشعب بالثورة، وهو يحتمل معنىً صحيحاً غير ما في أذهانهم الجامدة، أم قتل شعب كامل ومصادرة حريته.. 

 

من نتائج هذا الفكر أن تسمع صوت أصحابه عالياً في القضايا التي تتعلق بعامة الناس، بينما لا تسمع لهم ركزاً فيما يتعلق بالحاكم والدولة وكأن الدين جاء لتهذيب أخلاق الفرد دون إصلاح المجتمع ككل.

 

الدين منهج شامل جاء ليقول كلمته في كل ما يتعلق بالإنسان على المستوى الفردي والاجتماعي والسياسي والحضاري، والإسلام لا يقر هذه التقسيمات التي ابتدعناها من عند أنفسنا بأن هذا دين وهذه سياسة، فالحديث عن الاستبداد مثلاً والدعوة إلى نظام سياسي ديمقراطي يطلق الحريات ويعيد للشعب كرامته، هو بمقياس النظرة الشاملة للإسلام ليس حديثاً سياسياً ولكنه من جوهر الدين، بل إنه مقدم على بعض القضايا الفردية من قبيل أحكام الطهارة والوضوء التي يعرفها أكثر الناس، ولا يترتب على الجهل بها ما يترتب على الاستبداد من مفاسد كبيرة..

 

إن وظيفة المفتي أن تكون له كلمته في قضايا الأمة الكبرى، وألا يجتزئ بعض الأمور المتعلقة بالأخلاقيات الفردية التهذيبية ويركز عليها وينسى ما هو أهم.فنحن بحاجة إلى فقه أولويات فنقدم ما فيه مصلحة المجموع على ما فيه مصلحة الفرد، حتى لا يكون حالنا كحال العراقي الذي كان يسأل عن دم البعوض إن كان ينجس ثيابه ويداه ملطختان بدم الحسين..

 

إن لكل شيء مقداراً ينبغي أن يوزن به، وإصدار فتوى في هذا التوقيت بتحريم الانتحار هو عمل جيد ونحن ندعو إلى الأخذ بهذه الفتوى، ولكن الأجود منها أن نسمع من ذات المفتين فتاوى تجرم الاستبداد وتبين أنه أكبر الكبائر بل هو من ألوان الشرك إذ يقول المستبد للناس بلسان حاله أنا ربكم الأعلى، ويقول لهم "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد".

 

إن فقه الموازنات يقتضي أن نتجاوز النتيجة لنبحث عن السبب، فالانتحار نتيجة مع أننا لا نبرره لأنه فعل يائس، والأولى أن يحتج الناس بطريقة إيجابية تساهم في إصلاح الواقع، لكن السبب الذي أفضى إلى هذه النتيجة وغيرها هو الاستبداد والتركيز على السبب أهم من التركيز على النتيجة.

 

القرآن يعلمنا طريقةً رائعة في قياس الأمور ما أحوج المفتين إلى تدبرها.تأملوا معي هذه الآية الكريمة: "يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر والفتنة أكبر من القتل"

 

فرغم أن سؤال قريش كان عن القتال في الشهر الحرام وهو محرم وكبيرة من الكبائر بمقياس الإسلام، إلا أن القرآن في رده عليهم انتقل إلى دائرة أهم وتجاوز هذه الكبيرة ليناقش أساس المشكلة وهو الصد عن سبيل الله وإخراج الناس من ديارهم..

 

وهكذا ينبغي أن يكون المفتي، فلا يغرق في مناقشة بعض الأخطاء التي هي أخطاء وربما تكون من الكبائر، وينسى أساس المشكلة الذي أنتج هذه الأخطاء، ولا يخرج المسائل من سياقها العام.. ولكن يركز على جذور المشكلة ويوجه اهتمام الناس إليها، فإذا قطعت هذه الجذور زالت الأعراض بالضرورة.

 

ربما يكون أحد أسباب نجاح ثورة الشعب التونسي هو تحرره من هذا النمط التقليدي الجامد، وإيمانه بالإسلام الفطري البسيط الخالي من العُقد والتعقيدات..

 

 ما أحوجنا إلى فقه راشد..

 

"والله يقول الحق وهو يهدي السبيل"..

abu-rtema@hotmail.com