الأحد 28 ديسمبر 2025 الساعة 07:20 ص

مقالات وآراء

زعماؤنا.. أأذكياء هم أم أغبياء؟

حجم الخط

كنت لا أشك في ذكاء رجال الحكم، فقد تميزوا عن أقرانهم بسمات أهلتهم – منذ الصغر – للقيادة ، فهم – كباقي خلق الله – جاؤوا إلى الحياة ، ومن أول لحظة انطلقت حناجرهم بصرخة اختلف في أسبابها الفلاسفة والفقهاء والأطباء وعلماء الطبيعة .

وولد بعضهم وفي فمه ملعقة ذهب، وفي أفواه الآخرين أشواك، ولكنهم – جميعا- مروا بنفس المراحل العمرية وما يميزها من سمات؛ فمن طفولة إلى صبا إلى مراهقة إلى شباب فكهولة فشيخوخة.

وبعضهم قد مات وهو في شرخ الشباب ، وبعضهم بلغ من الكبر عتياً، وبعضهم من كتب اسمه بحروف من نور، وبعضهم قد حفره بالنار،؟

إلا أن زعماءنا قد تفردوا بصفة جامعة لكل نقائص غيرهم وزيادة، حتى أصبحوا مضرب الأمثال ، وهي الفساد .

فما من حاكم عربي إلا ويلتصق به هذا الملعون ، فالزعيم يبدأ صفر اليدين ، مجرد ضابط صغير براتب متواضع ، يسكن شقة متواضعة وغالباً ما تكون بالإيجار ، وإذا كانت له سيارة ( فـ"كركوعة" ) وقليل منهم من تزوج من امرأة ذات منصب وجمال .

وقد ينام على (الطوى ) حتى إذا اعتلى عرش الرئاسة فإذا به يمتلك القصور والشاليهات والفلل ، ويقتني السيارات الفارهة التي لا تخترقها الصواريخ ، وزجاجها من ألماس ، ولأولاده مثلها .

وسرعان ما يتطلع إلى ملكات الجمال وربات الإتيكيت ، وغالباً ما يتسمن بالنرجسية ، ولا يرين فضيلة لواحد أو لواحدة على الأرض إلا لبناتها وبنيها.

وإن هي إلا سنة فثانية حتى تصبح هي الحاكمة بأمرها ، تنحني لها الهامات ، وتطأطئ بين يديها القامات والمقامات والمراتب والرتب .

وما أن تمر سنة أخرى حتى تضيق الأرجاء بالخدم والحشم والحرس وحملة المباخر، وتضيق الزوايا والطرقات والخزائن بالهدايا ... أفخر المجوهرات، أفخر الملابس والعطور والسيوف المرصعة بالياقوت واللؤلؤ والمرجان .

وتضيق الصحف بصور الزعيم وعقيلته ، ولا تتسع الأرض لمواكب الزعيم، فيتخذ طائرات مروحية ونفاثة وشبح تحرسه إذا قام أو ارتحل ، فيلذ له المقام ويطرب للمديح والخطب التي تصوره ( ملهماً) و( هدية السماء ) و( ظل الله في الأرض ) تتوقف الدنيا في ذكرى ميلاده، وتتوقف إذا وضعت له السيدة الأولى وليدا ، وتتوقف إذا ابتسم، وتتوقف إذا عطس .

وتظل واقفة فلا تقعد في ذكرى اعتلائه العرش، يتغير الدستور بإشارة من خنصره ، وينتظر القضاء فرجة من شفتيه لينطق بالحكم الذي نطق به الزعيم ، هو القانون وليس فوق القانون ...

أما محاسيبه من خاصة السيدة الأولى ( الثانية في ترتيب زوجاته ) فهم ( فوق القانون ) كل شيء في الدولة لهم مستباح .. عرفت الدنيا من زعمائنا من يركع بين يديه كبار رجالات الدولة وعلمائها، إذا جاء وتعطف فمر من أمام طابورهم ...

أليس هذا هو الذكاء ؟ بلى !! وعرفت الدنيا منهم من تمتد لهم غابات الأيدي والشفاه لتحظى بقبلة على يده ، وعرفت الدنيا من زعمائنا من لا يخطئ أبدا ، فيصفق له ( البرلمان) إذا قال : نعم لرأي ، ويصفقون له إذا قال : لا ، بعد لحظة لنفس الرأي .

وقد عرفت الدنيا من زعمائنا من وصف مجونه بالفحولة ، وسفالته بالتواضع ، وجهله بالحكمة ، ووقاحته بالعفة ، واستبداده بالعدل ، ولا ينسب له فشل ولا هزيمة ولا ظلم أبدا ....أبدا ...

فإذا قضى عليه الموت وجاء غيره احتل مكانته، وأما الأول فإلى ظهور المزابل، وأما الشعب فهو ما بين اعتلاء زعيم الأمس وزعيم اليوم مطحون ، مسحوق جائع مظلوم ويائس ومهزوم ، مقهور على الهتاف ، مقهور على الابتسام، مقهور على البقاء، مقهور على الصمت .. هي الصورة المعهودة المكرورة للعربي؛ حاكماً أو محكوماً... حتى كانت ثورة تونس فقالت : إن الزعيم هو الزعيم الذي رأت صورته الدنيا ، وأما الشعوب فلها منطق آخر، أيقنت بعد قراءته أن زعماءنا أغبياء ...