الخميس 01 يناير 2026 الساعة 07:49 م

مقالات وآراء

نظام... حرية.... عدالة

حجم الخط

ثلاث كلمات هي مبادئ سامية ، زينت لوحة جاءت خلف المجلس الدستوري الأعلى الذي قضى بإقصاء بن علي - إلى الأبد - عن الحكم ، ووقف رئيسه فتحي عبد الناظر ليقرأ القرار ، ومما تحمله اللوحة صورة أسد يقف إلى جانب ميزان في تعبير صريح إلى أن العدالة يحرسها أسد.

 

أي أن العدل لا بد له من قوة تحميه ، وعندما ثار شعب تونس تبين أنه لم يكن هناك نظام ولا حرية ولا عدالة.

 

والنظام في أبسط معانيه هو مجموعة القوانين والمبادئ التي تحتكم إليها الأمة في كل مجالات الحياة ( سياسية – اقتصادية – أخلاقية – عقوبات – عبادات – عقائد – معاملات – علاقات دولية) وتشكل في مجموعها الدستور الذي يضبط علاقة الإنسان بالإنسان ( حاكماً أو محكوماً ) كما تضبط علاقة الإنسان بربه ، وعلاقة الدولة بغيرها؛ سلما أو حرباً.

 

والدستور هو الحاكم على الحاكم لا يجوز له أن يخرج عن طاعته فلا يخالفه وإلا فللأمة أن تخلعه ، بالغاً ما بلغ منصبه ورتبته ومكانته وحسبه ونسبه، وبقدر ما تلتزم الأمة بنظامها بقدر ما تكون منيعة وقوية.

 

وهذا الالتزام هو ما تعارفت عليه الأمم بسيادة القانون ، وبهذا يصير الفرد متمتعاً بحرية منضبطة ، لا يحيف أحد على أحد، يأمن على نفسه فلا يعتدي عليها أحد جزءاً أو كلا ، ويأمن على ماله؛ فلا غش ولا رشوة ولا سرقة ، ولا نهب أو سلب ولا ابتزاز ولا محسوبية ، أو واسطة.

 

يتحدث كيف يشاء وفيم يشاء ،يتحرك يسافر يتعلم يتدين هو حر .. ولكنه منضبط بالدستور.

 

وبذا تتحقق مقولة ( أنت حر ما لم تضر ) فلا عبث ولاحيف ولا عدوان ، فإن كان حيف أو ظلم فالقضاء (العدالة ) هي التي تأخذ له حقه إن وقع عليه الظلم أو الحيف ، وتأخذ منه الحق إن وقع منه الظلم أو الحيف.

 

ولأن الإنسان مفطور على التنازع، فقد يستخف بالنظام فيتجاوزه ، استخفافا منه بالعدالة ورجالاتها ، وعاث فسادا وإفسادا ، في عبث وفوضى بدعوى أنه حر! يفعل ما يشاء بلا انضباط أو التزام ، ويتحدث بما شاء بغير ما انضباط أو التزام كذلك.

 

إذن فلابد من القوة ( الأسد ) التي تحمي النظام وتلزم بالحرية وتجبر العابثين على الانصياع للعدالة....

 

كل هذا قالته اللوحة بلغة فصيحة صريحة، وفي تونس التي كان يحكمها بن علي، وقد صدرها ليقرأها التونسي وغير التونسي ، ولكن الحقيقة عندما تكشفت تبين أنها على خلاف ذلك تماما ،فلا نظام إلا ما يراه بن علي وليلاه.

 

فالقانون ما شاءه ، والمبادئ ما أوحى إليه بها هواه ونزوات ليلاه ، والحرية فقط للأسرة المالكة وأشياعها ومتزلفيها ومنافقيها.

 

وأما الشعب كل الشعب فمكبل أو مغيب في الزنازين أو وراء الشمس، هذا إن لم يكن مقتولاً، وأما العدالة فقد أضحت ظلماً وتعسفاً وقهراً دفعت محمد البو عزيزي إلى الانتحار ، وما الأسد إلا القوة الغاشمة الباطشة والحيوان المفترس على حقيقته، فهو ملك الغابة الذي يدين الجميع لمخالبه وأنيابه بالولاء ، وما الميزان عندئذ إلا آلة صماء لا تميل إلا حيث يميل الطاغية ونزوات اللعوب، لذا كانت النتيجة على ما رأينا!! فهل يتعظ أي نظام بذلك اللانظام؟ إن الأمر يحتاج إلى مراجعة يومية بل إلى مراجعات...