هرب الطاغية، فهل سيتراجع طغاة العرب؟ ويعيدون لشعوبهم حريتهم التي سلبوها عابر الإرهاب والاعتقال والقتل والنهب والفساد، ترك البلاد بعد خطاب الهزيمة والعار الذي سقط فيه وأكد أنه فقط اليوم فهم الشعب التونسي، وطوال أكثر من اثنين وعشرين عاما لا علاقة له بالشعب وكان كل همه هو كيف يحكم بالحديد والنار، وكيف يرفع رصيده المالي في بنوك العالم، انشغل في إرضاء أمريكا التي اعتبرته النموذج، لأنه قمع الإسلاميين وكبل الحريات وانفتح على إسرائيل ظانا أن ذلك سيطيل عمره في السلطة وهو لا يدرك أن أول من يتخلى عنه هي أمريكا.
أمريكا في تعليقها على ما يجري في تونس أمس قالت إن من حق الشعوب أن تختار حكامها، وهذا خطاب يشير إلى أن أول من يتخلى عن الطغاة هم من صنعوهم لأنهم باتوا فاقدي الصلاحية وما عادت لهم ضرورة، وكان لسان حالهم يقول اذهبوا إلى جهنم وبئس المصير، فلا علاقة لنا بكم، هكذا هي أمريكا، ولم يتعلم الطواغيت من شاه إيران الذي سبقهم، وطرد كما طرد بن علي، واليوم فرنسا ترفض استقباله، وأمريكا لن تستقبله، وطائرته تحوم في السماء بحثا عن أرض يهبط عليها، وكما لمت مصر جيفة الشاه يبدو أن دولة خليجية ستلم جيفة بن علي.
هرب بن علي بعيدا عن البساط الأحمر وبلا بروتوكول، ولم يسمع موسيقى، بلا وداع أو قبلات حارة، كان هروبا مذلا، لم يحسب له الطاغية حساباً وظن في نفسه أنه سيخضع شعبه إرهابا على طول المدى حتى يورث أحد بنائه كما جرى ويجري في بعض البلدان، ونسي أن إرادة الشعوب أقوى من أدوات الطغاة وأنه سينتصر كما انتصر الشعب التونسي.
المرحلة القادمة لهذا الطاغية الديكتاتور هي أن تشكل له محاكمة تونسية حرة ديمقراطية قانونية ويقدم لها هو ومن يعاونه، ولكن يجب أن تسبقها خطوات استرداد السلطة من أيدي أعوان الطاغية بن علي من خلال تشكيل قيادة وطنية تونسية تضم كافة الأطياف السياسية، وهذه القيادة يجب أن تعيد الثقة إلى البلاد وأن تجري انتخابات ديمقراطية وحرة ونزيهة سواء للرئاسة أو لمجالس النيابة، ومن ثم يتم استجلاب الطاغية بمذكرة استجلاب من المكان الذي يعيش فيه.
المشهد أمامي أن العديد من الطواغيت العرب قد جمعوا شياطينهم وزبانيتهم لتدارس الأمر ووضع التدابير التي تحول دون وصول الأمور في بلادهم إلى ما وصلت إليه في تونس، ويبدو أن الواقع يقول إن نهاياتهم قد اقتربت وبدأت في تونس وستجتاح بقية الطواغيت رؤساء كانوا أو ملوكاً، ونعتقد أن عليهم أن يحزموا حقائبهم حتى لا يخرجوا بملابس النوم؛ لأنهم لن يجدوا وقتا لارتداء زيهم الرسمي لأن يد الشعب ستطولهم وتنال منهم.
يبدو أن ثورة التونسيين ستكون نموذجا متكررا في العديد من البلدان المحكومة بالطواغيت وبالعسكر، وعلى هؤلاء الطواغيت أن يتركوا أماكنهم وهم يحفظون ماء وجههم، بدلا من أن يطردوا أو يهربوا بعيدا عن أعين الشعب، وليتعظوا من ما حدث للطاغية بن علي والذي تخلت عنه أمريكا وفرنسا وأوروبا، وهم كذلك لن تنفعهم أمريكا ولن تنفعهم أي قوة طاغية، وسأختم بقول الشاعر الشابي شاعر تونس عندما قال:
إذا الشعب يوما أراد الحياة ********** فلا بد أن يستجيب القدر
