كان أول تعرفي على الفيلسوف الفذ الهولندي (سبينوزا) عن طريق كتاب قصة الفلسفة لـ (ويل ديورانت) ويبدو من اسمه أن أصله من البرتغال اليهود الذين هاجروا بعد الاضطهاد الأعظم؛ ففروا مع المسلمين من كل شبه الجزيرة الأيبرية، وقد غضب عليه مجمع السنهدرين اليهودي ولعنه ولم يُعد تأهيله إلا في القرن العشرين، وحاول شقي طعنه في سكين برقبته فلم يمت، ولم يكتب سوى أربع كتب تعتبر محطات في التفكير الإنساني في رحلته إلى الاستنارة والقرب من الله الكبير المتعال.
ويقول عنه ديورانت لعله كان أفضل لنابليون أن لا يخوض معركة ويفعل ما فعله هذا العاقل. ولكن كم عدد العقلاء في الأرض، لقد كتب الكثيرون الكثير عن هذا الرجل منهم فؤاد زكريا بكتاب مستقل خاص، ولكن كتاب ويل ديورانت (قصة الفلسفة) هو الذي غذاني وأشبعني من نهم. ولكل من كتابي ديورانت وزكريا طعمه الخاص.
ومن مغامرات الفكر الخالدات يأتي كتاب (أفول الغرب) للفيلسوف الألماني والمؤرخ أوسفالد شبنجلر، والرجل لم يكن أستاذا جامعيا ولا مؤرخا أكاديميا، ولكنه خلد نفسه بهذا الكتاب بعد شغل وانهماك في موسوعة الفكر؛ فخرج على الناس على نحو فجائي بهذا الكتاب ولم يكن الرجل سوى أستاذ ثانوية.
ويعد إنتاجه أعظم عمل موسوعي صدر في النصف الأول من القرن العشرين، وفيه أطلق نبوءة تحذيرية عن تشيخ الحضارة الغربية، وجفاف نسغها، واقتراب أجلها، وكان ذلك بعنوان أفول الغرب باللغة الألمانية (Der Untergang des Abendlandes) وله بكل أسف ترجمة وحيدة قام بها الشيباني، لم تكن تلك الجيدة، كما هو الحال في ترجمة قصة الفلسفة؛ فالترجمة الجيدة هي تلك التي قام بها المشعشع، كذلك الحال مع ترجمة أفول الغرب وتمنيت أن يقوم المقتدرون بإعادة ترجمته على يد البيجيرمي.
وخلاصة المجلدات الثلاثة ملاحم من الأفكار والقصص والمقاربات والعمق الفلسفي. وقد كتب عنه الفيلسوف عبدالرحمن بدوي كتابا كاملا جديرا بالمطالعة.
ومن أمهات الكتب التي يجب أن تكون في كل مكتبة هو المرجع الوثيق بعنوان (التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح) والكتاب هو للحافظ البخاري الذي اعتمدته الأمة منذ قرون، ولقد قرأت فيه جيدا، وأضفت له كتاب صحيح مسلم، بالإضافة إلى كتاب في الحديث هام هو (زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم) وهو لعالم موريتاني اسمه الشنقيطي، وهو في بضعة آلاف من الأحاديث مع شرح خفيف لها، وسوف أسعى من طرفي بهذه المهمة بعنوان الأحاديث الحيوية، سوف أقلد فيها الإمام النووي صاحب كتاب الأحاديث الأربعين؛ فأجمع مائة حديث أو قريبا من ذلك بما يفيدنا في التحديات العصرية، مثل حديث الاستيقاظ المبكر، وحديث أبو سفيان مع هرقل، وحديث غرس الفسيلة ولو مع قيام الساعة، وحديث ثقب السفينة والمسؤولية الاجتماعية، وحديث لوم النفس في مواجهة المشاكل، ذلك الذي كان أبوموسى الخولاني إذا تلاه خر راكعا!
وفي هذه الباقة من ذخائر الفكر الإنساني أشير إلى كتاب (معالم تاريخ الإنسانية) لمؤلفه البريطاني ( ـ هـ ـ ج ـ ويلز) وهو كتاب يجب أن يقرأه الجميع، وكان أول تعرفي عليه من زوجتي ليلى سعيد رحمها الله، فقد عكفت على قراءته، وقالت لي من ينهي هذا الكتاب في وقت وجيز تحولت نظرته للعالم تماما، وكانت تقول بعد اطلاعها على هذا الكتاب إننا خلايا في جسم هائل، ولحظة زمن عابرة في تيار لا نهائي، ورحلة للبشرية تمتد أكبر منا بكثير. لقد فعل أسلافنا من قبل في كتابة الموسوعات، ولكن توقفنا بكل أسف وعلينا تدارك هذا الخلل الكوني فندخل التاريخ.
كما قال الرب (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم).
