ما أضر بنا – كشعب - كما أضر بنا التمييز بين أبناء هذا الوطن، وهذا أشبه أن يكون سنة مؤكدة بين الشعوب العربية، والدول النامية كدائرة أوسع.
وبالتالي كان سببا في تخلفها، وتمزقها، حيث شريحة من الناس تتمتع بكل المزايا و(الحظوظ) وكأن القانون ما وضع إلا لها، وكأن خيرات الوطن ما سخرت إلا لها أيضا.
وأما الأغلبية فلا يبالي بهم أحد إن طحنتهم رحى الحاجة والعوز، وصفّر وجوههم ذل السؤال، والوقوف على أعتاب المحظوظين؛ الأمر الذي يفجر التحاسد والتباغض والتزلف والنفاق في صدور العامة، الذين لو أحسن إليهم، وحصلوا على حقوقهم، وأقول: حقوقهم، لأسهموا بفاعلية في البناء والانتماء والتنمية!!..
وهذا ما أدركته شعوب فعملت به، فنمت وارتقت، ولكن شعوبنا، رغم أنها تملك أعظم رسالة أرست أعظم دستور، وشادت به أعظم حضارة بجانبها المدني وجانبها الثقافي، وللأسف قد انحطت يوم أن هجرت ذلك الدستور.
وقد أصاب شعبنا ما أصاب أمثاله من الشعوب التي هجرت، فحكمتنا العائلية والحزبية قبل النكبة فانتكبنا، وحكمتنا ممالأة الحاكم العسكري والتودد إليه قبل النكسة فانتكسنا، وحكمتنا –طويلاً- الأنانية والشللية قبل الانتفاضة فتعاركنا، وتفتتنا - وللحسرة والندامة - كانت الغالبية تصر على الأخذ بأسباب التخلف والتمزق والضياع؛ فناصبت - من يدعو إلى التخلص منها – العداء؛ حتى كانت الانتفاضة التي وضعت أقدامنا على الطريق الصحيح.
وهكذا كان المأمول ولكن سرعان ما زلت بنا الأقدام فدخل (المتنفذون) مدريد بقامات فيها انحناءة، سرعان ما صارت ركوعا، إلى أن مرغت انفها في وحل أوسلو، فحكمتنا بقانون لا يرضاه الهمج سموه – زوراً - قانون السلامة الأمنية نهشت به شرذمة لحوم الناس، وامتصت دماءهم وانتهكت حرياتهم وكرامتهم.
كأن لهذا (القانون) أنيابا أحد من أنياب الذئاب أو الكلاب، ولم يدرك – للحسرة والندامة- أن صبر هذا الشعب على الطغاة لا يطول، فحسم الشعب الأمر، بعد أن استعصت وسائل الصبر والحلم.
لقد نزف شعبنا، وأرهقه (التمييز) و (السلامة الأمنية) اللذان احتكم إليهما (المتنفذون) وانكشف ظهره.. ولم يعتبروا .. فتمادوا.. وها نحن نراهم، نرى كبيرهم الذي علمهم التمييز المذموم والتعالي والتفرد والغرور يمارس حرفته فيها على فريقه، فخرجت علينا كتائب الأقصى ببيان يدينه بوضع السم لعرفات في قارورة شبيهة بقارورة دوائه بعد أن أوصلها للموساد، فصنعوا لعرفات مثلها ولكنها مليئة بالسم.
وحمل البيان تهديداً ووعيداً لشركائه في جرائمه جمعوا بين مفاسد خمس هم (إيهاب الأشقر ذراعه الاقتصادي وسمير المشهراوي ذراعه الأمني وتوفيق أبو خوصة ذراعه الإعلامي وزكريا الزبيدي ذراعه العسكري وماجد أبو شمالة ذراعه المحلي).
ويأمرهم البيان أن يلتزموا بيوتهم بعد أن فرضت عليكم كتائب الأقصى الإقامة الجبرية وحذر من يخرج منهم (فمصيره الموت) متوعداً (ستكونون تحت مرمى نيران الكتائب) وكأن بيان كتائب الأقصى نذير بأن الطاحون دارت ولكن لتحصد رأس الطاغية.
هي سنة كونية فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى، ولكن – وللحسرة والندامة - بعد أن أحل قومه وعشيرته دار البوار.
هو درس يقرؤه الفلسطيني كما يقرؤه أهل تونس، ويجب أن يقرأه كل عاقل وخاصة الذين هم في موقع صناعة القرار في رام الله، بل في العالم النامي قاطبة.


