الخميس 01 يناير 2026 الساعة 07:58 م

مقالات وآراء

باي باي خرطوم..

حجم الخط

هذا الهتاف انطلقت حناجر جنوبيين وهم يطوفون بشوارع (جوبا) مستقبلين الاستفتاء الذي سيشطر السودان إلى قسمين إذا رجحت كفة (لا وحدة) على (نعم).

 

كانت الفرحة تملأ وجوههم، وملابسهم الزاهية تعبر عن أنهم يستقبلون عيداً، يغنون، ويطبلون، ويرقصون ويلوحون بأيديهم باي باي خرطوم... باي باي الشمال.

 

عمر البشير تحاصره المعارضة التي تتحالف لإسقاطه، حسن الترابي الذي تصدر ثورة الإنقاذ فكريا ونهجاً التي قادها البشير، ومصير ابييه لا يزال معلقاً، والمسيرية تهدد بالحرب إن لم تحصل على نصيبها من البترول الذي يقبع في أراضيها وقبيلة دنكا تشرع حرابها.

 

وسيلفا كير يدعو الجنوبيين إلى التعبير عن رأيهم بسلام وأمن، ويطمئن المستفتين بقبول نتائج الاستفتاء، والمفوضية تعلن إتمام استعداداتها... تجربة فريدة في القارة السوداء... كارتر هناك، وهيلاري ترقب من قريب ومن بعيد...

 

و(إسرائيل) حاضرة دوماً، بالسلاح والمال والتآمر والغدر، وتتحفز لدخول سفارتها (الخنجر) في قلب النيل الذي يوشك أن يتحول مجراه إلى النقب كما سبق أن تحول مجرى نهر الأردن ولم يفلح (سد خالد) الذي قرر زعماؤنا إنشاءه سنة 64 في مؤتمرهم القمة الأول.

 

وإن هي إلا سنوات ثلاث والنصف إلا وحرب تنتصر فيها (إسرائيل) على أربع دول من دول القمة، وتنهي مشروع القومية العربية كما تنهي زعيمه الأشهر جمال عبد الناصر...

 

ولا أرى للثورة الجديدة التي أعلن عنها البشير حال الانفصال من مدلول.. وكيف سيطبق الشريعة الإسلامية، وكان قد أعلن عن تطبيقها من قبل جعفر النميري، وأكدها هو أيضا قبل عشرين سنة أو يزيد، فيطل علينا الصادق المهدي مفنداً، ومفصلاً، ومشترطاً، رغم ما تخاطبه به غادة عويس بصفة (الإمام) ورنة سخرية تصاحب ضحكات الترابي المفتعلة وهو يؤكد تأييده للانفصال والعمل به...

 

فبينما البشير يضرب الهواء بعصاه وهو يخاطب الجماهير الملتفة من حوله من أنصار (الحزب الحاكم).. كل تلك الصور تتقاطر أمام العدسات ضمن حضور إعلامي دولي كبير ليقدم أعظم شهادة على أن القاعدة الذهبية الاستعمارية (فرق تسد) لا تزال هي السلاح الأمضى الذي يقطع أوصال الأمة العربية لصالح إسرائيل..

 

هي القاعدة التي تمزق تونس والجزائر (بالجوع)، ومزقت العراق بالطائفية، هي القاعدة التي مزقت لبنان في حرب أهلية ضروس، وهي القاعدة التي تمزق اليمن بسكين التمييز والتفرد..

 

هي السكين التي مزقت فلسطين إلى ضفة وغزة، والضفة إلى دحلان وعباس، وعباس إلى سلام فياض وفتح، وفتح إلى شرفاء وتنسيقيين... هي السكين التي تمزق الصومال إلي (صواميل) بعضها يطحن بعضاً...

 

والذئب الصهيوني يقف على (باب المندب) ليتحكم بالتجارة الدولية والبحر الأحمر الذي كان عربياً ويوشك أن يكون عبرياً...ذئب لا ينام... يقظ، في الوقت الذي تغط فيه الجامعة العربية وزعماؤها ومبادرتها في سبات عميق...

 

ذئب ينشب أنيابه في (شط الهوى).. في قلب الإسكندرية ليشعل حرباً بين مسلمين وأقباط.. لتقف (أم الدنيا) باكية على بنيها المذبوحين الذين تطايرت أشلاؤهم بتفجير يحمل سمات مائير كاهانا واسحق شامير ...

 

هي الصورة التي تغيب تفاصيلها عن عيون القادة والزعماء، لأنهم مشغولون بقراءة التقارير عن استقرار نظمهم وما يسودها من عدالة اجتماعية، ومشاريع إنشاء وإعمار، ومصانع، ورفاهية، وأمن مستتب، ليخرجوا بعدها ليشهدوا استعراضات جيوشهم، وتخريج أفواج جديدة من كليات الحرب والشرطة والطيران، ومهرجانات الإبل والخيول والخراف والحمير والألعاب النارية التي لا تحرق إلا أكباد الطامحين إلى الحرية والخلاص، والمقاومة.

 

فهل أنا متشائم... أرجو ألا أكون!!