الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:22 م

مقالات وآراء

إلى متى يستمر هذا الجنون؟!

حجم الخط

على مرمى أقل من شهرين على تفجير كنيسة النجاة في بغداد، ها هو الجنون يطال كنيسة أخرى في مدينة الإسكندرية في مصر، والأسوأ أن الخطاب الذي نظّر للعملية الأولى سيكون متهما من دون شك بتنفيذ الثانية، وبالطبع بعد ربط أصحاب الأولى الحرب على أقباط مصر بما أسموه تحرير أخواتنا المسلمات من سجون البابا شنودة.

 

بعيدا عن سؤال المنفذين، فإن المسؤول الأول عن العملية هو الخطاب الذي وفر لها الأجواء، فضلا عن أن يكون المنفذون هم أنفسهم بالفعل، أعني أن يكون للتفجيرين صلة ببعضهما تبعا للتهديد الذي ورد في سياق العملية الأولى.

 

لا خلاف على أن بعض الخطاب القبطي صار مستفزا خلال الفترة الأخيرة، مثل قول قس كبير بأن المسلمين ضيوف على الأقباط في مصر، أو ذهاب آخر حد الإساءة إلى القرآن الكريم، إذ نعلم ما لذلك من تأثيرات سلبية على التعايش بين أبناء الوطن الواحد.

 

لكن ذلك كله لا يبرر هذا العنف الدموي الذي لا تقره شريعة ولا يقبله دين، فهؤلاء الذين استهدفهم التفجير ليسو محاربين يستحقون القتل والقتال، بل هم مواطنون عاش أمثالهم في مصر خلال سائر الحقب، والإسلام لم يعرف لغة التطهير العرقي والطائفي، بل آوى الأقليات التي فرت من الاضطهاد كما فعل مع اليهود الذين فروا من الاضطهاد المسيحي في أوروبا. والذين يشيرون إلى الدولة العثمانية كمرحلة متصلة من التخلف (مؤخرا تم استبدال مصطلح الفتح العثماني لمصر في المناهج المدرسية بمصطلح الغزو العثماني)، من يفعلون ذلك ينسون أنه في ظل تلك الدولة كان ثمة نظام ملل من أبدع ما يكون، يمنح كل طائفة حق ترتيب شؤونها الدينية بعيدا عن الدولة ، وهو ما حفظ وجود تلك الطوائف وحقوقها في آن.

 

"لا إكراه في الدين"، هذا هو شعار الإسلام الخالد، والحفاظ على حقوق أهل الذمة جزء لا يتجزأ من شريعة الإسلام، وهؤلاء الذين فجروا الكنائس ينسون قول النبي عليه الصلاة والسلام "من قتل معاهدا لم يرَ رائحة الجنة". وحتى لو قيل إن ثمة عدوان ما من بعضهم، فإن ذلك لا يبرر هذه الردود. ثم إن المسؤول عن وجود أخطاء هنا وهناك هي الدولة، إذ من المسؤول عن تحرير النساء المختطفات اللواتي يشير إليهن البعض، أليست الدولة؟ فلماذا إذن يوجه العدوان نحو الناس الأبرياء، وحتى لو قيل إنهم يدعمون موقف الكنيسة، فذلك جزء من الحشد الطائفي الذي لا يرد عليه بهذه الطريقة.

 

من المهم القول أيضا إن الأقباط يخطئون أيضا حين يحولون مشكلتهم مع الدولة إلى مشكلة مع إخوانهم المسلمين، الأمر الذي يتجاهل حقيقة أن الظلم يقع على الجميع، وأن البؤس والفقر من نصيب الجميع، بل إن حريتهم (أي الأقباط) في الكنائس هي أفضل ألف مرة من حرية الناس في المساجد التي أممت عمليا من قبل الحكومة ، بدءا من الآذان وحتى تعيين الخطباء والأئمة.

 

المشكلة في مصر لا صلة لها بالأزمة بين الأقباط والمسلمين، بل مشكلة سائر المصريين مع الظلم والفساد، والذي يحرفون مسار المعركة نحو مشكلة طائفية يسيئون لمصر وأهلها جميعا من شتى الطوائف.

 

إن الفقه الذي أهدر دم البرادعي لأنه خالف النظام، وكذلك فعل مع الشيخ القرضاوي هو ذاته الذي وفر المرجعية الفكرية لقتل الناس في كنيسة الإسكندرية، وهو فقه أعمى لا يعرف حقيقة الدين ولا جوهر الشريعة، تماما كما هو حال الفقه الذي لا يفرق بين الجهاد وبين القتل الأعمى دون وعي ولا تفكير.

 

إننا نسيء إلى ديننا العظيم بهذه الأفعال، في ذات الوقت الذي نسيء فيه لقيمة الجهاد، وقد آن لعلماء الأمة وعقلائها ومجاهديها الحقيقيين أن يقفوا صفا واحدا في مواجهة هذا الفكر الغريب بشتى تجلياته، ويوجهوا الأمة في المقابل نحو مواجهة الظلم والفساد من جهة، ونحو مواجهة العدوان الخارجي عليها في المكان والزمان الصحيح من جهة أخرى ، وذلك حتى لا تختلط العناوين وتضيع البوصلة.