إن ما جرى في الإسكندرية من تفجير أمام كنيسة القديسين لا يقره دين ولا عقل ولا شرف ، ولا يقدم عليه إلا جاهل أو مجنون أو عديم شرف ، ويأتي في سياق تمزيق نسيج المجتمعات العربية ، وإحداث فتن طائفية حيناً وإثنية وفصائلية أو جهوية، تحركها أصابع خبيثة تعمل بالقاعدة التي اعتمدها الغرب في ركوب ظهور الشعوب (فرق تسد) وهو ما يجري اليوم في بغداد وجرى ويجري في لبنان، وفي السودان، وفي فلسطين، وفي اليمن ، وغداً في الخليج، وفي السعودية، وبعد غد في كل قطر عربي أو إسلامي ، إن ما جرى في الإسكندرية هو إيقاظ لفتنة مجرمة بين المسيحيين والمسلمين الذين عاشوا على مدى أربعة عشر قرناً خلت في إخاء (وطني) وفي وئام في ظل تسامح إسلامي تحكمه قيم ومبادئ وأحكام فرضها هذا الدين من خلال كتاب الله وأحاديث رسوله ووصاياه...
لقد فرغت الأصابع الخبيثة أو أوشكت من السودان الذي يسير نحو الانشطار والتشظي؛ بدعوى عدم الانسجام بين الشمال المسلم والجنوب المسيحي ، وهي هي الدعوى تثير هذا الجنون في مصر، فتمزق أجساد واحد وعشرين مواطناً (حسب الإعلان الرسمي) وتتحول إلى أشلاء تدفع أحد الجرحى (الخمسين) لأن يتساءل بأنين (ليه... ليه ....إصابات ، حرق، حالات بتتعدش .. ليه.. ليه) وآخر يقول (كنت أتكلم في التليفون وفجأة شفت ناس بتطير) ثم هتاف (بالروح بالدم نفديك يا صليب) وقد يخرج بعض الجهلة ليهتف (بالروح بالدم نفديك يا ...)
لتشتعل نيران الحرب الأهلية، وتقع المجازر كما حدث في صبرا وشاتيلا ، وكما يحدث في كربلاء والرمادي , وبغداد؛ في الأسواق والمساجد والكنائس والحسينيات، فتتطاير الأيدي والأرجل والعيون أشلاء، وتتطاير الرؤوس والمصائر، بينما مشعلو النيران يفركون أيديهم سعادة وفرحاً، ولتزداد (إسرائيل) منعة وقوة واستبداداً...
وقد يفر بعض الخائفين إليها طلبا للأمان كما نرى اليوم من الصوماليين والأثيوبيين ، وكما رأيناهم منذ أربعين سنة عندما ألقى فلسطينيون بأجسادهم في مياه نهر الأردن هرباً من طاحون الشياطين التي كانت تهرس أجسادهم في أحداث أيلول 1970 على الساحة الأردنية ، لتتلقاهم الأيدي الآثمة المجرمة التي أوقدت نيران الحرب، لتقوم بالدور الإنساني اللئيم من إيواء وحماية وعلاج، ومن ثم الإسقاط في مستنقع العمالة والجاسوسية والخيانة...
هي نفس المشاهد التي رأيناها في يونيو 2007 بعد أن أشعل الانفلاتيون الخونة فتائل الحرب الأهلية على انتصار حماس التاريخي في انتخابات يناير 2006 ، فاندفع البسطاء الذين أوقعهم المتآمرون في شباكهم وحبائلهم إلى أحضان الصهاينة طلباً للنجاة ، فأمعن الصهاينة في إذلالهم فأجبروهم على التعري فامتثلوا ليراهم الكون ( عراة ) في مشهد مهين ذليل مجلل بالخزي والعار ، إن الذي فجر الأجساد الإسكندرانية لم يقرأ أي حديث لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوصي بأهل الذمة ولعل أشهرها ( لهم ما لنا وعليهم ما علينا ) ولم يقرأ قول الله تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ... )...
ولم ير أو يتابع الدور المشرف الذي يؤديه الأب عطاالله حنا ، ولا الدور الرائع الذي يؤديه الأب منويل مسلم في فلسطين ، ولم يتابع سيرة حياة المطران كابوتشي البطولية في تصديها لهذا المحتل المجرم ، إن الذي قام بهذه الفعلة لا يزيد عن أداة غبية صماء عمياء حاقدة ، ولا يمكن أن تندرج تحت أي عنوان يقره هذا الدين الحنيف الذي ينص على ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ....) وينص على التأكيد على رعاية حق الجوار وقد جعلها على ثلاثة أصناف ، منها جار له حق واحد وهو غير المسلم غير القريب ، وهنا يدخل (الأقباط) في قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يزال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)...
إن ما جرى على أرض مصر العزيزة يتطلب الحكمة في أعلى درجاتها والمسئولية في أعلى درجاتها، ولا بد من أن تتوجه مصر بكل أجهزتها ومؤسساتها وخبرتها للبحث عن الأمر الحقيقي والمشعل الحقيقي لهذه النار؛ ليتسنى إطفاؤها قبل أن تحرق – لا سمح الله – المحروسة، ومن المؤكد أنهم سيصلون إلى أتباع يهوه، من جيش باروخ غولدشتاين!!! أو للعصابة التي قتلت محمود المبحوح، أو لبقايا جيش لحد العميل.


