ليس بالمستهجن في عالم السياسة الإسرائيلية أن يخرج ليبرمان عن الأدب و الدبلوماسية المعهودة لدى وزراء الخارجية، فلقد عرفنا في عالمنا العربي وزراء الخارجية يقطرون أدباً و رقة ، وبالأحرى فيما يخص الشأن الإسرائيلي ، خشية إساءة فهم أو سوء ظن يتسلل إلى عقول صانعي القرار في تل أبيب و بالتالي واشنطن ، فيدان الوزير بالإرهاب أو معاداة السامية فيخسر موقعه ، أو يجلب على دولته الأزمات التي هي في غنى عنها و التي يأتي في مقدمتها حبس المعونات الأمريكية و تعطيل برامج الإنماء و الإنشاء ، فيضطر أن يبلع لسانه كلما استفز من الإجراءات التعسفية الإسرائيلية و قد يبلعه تجنبا للسان أفيغدور ليبرمان السليط جدا و الذي يذكرنا بحروب شارون التي خلفت وراءها من الدمار و القتل و الحرائق و الضحايا ما لا نظير لها في عالم الإجرام و الإرهاب ،التي أنستنا جرائم نيرون ، موسوليني ، و هتلر.
كما أنستنا جرائم الصليبيين في باحات الأقصى و التي ذبحت سبعين ألف مسلم ، غاصت قوائم الخيول إلى بطونها ...و رغم أن غرور نتنياهو تجاوز الغرور ؛فإن ما يصدر عن ليبرمان يجعل نتنياهو في تواضع جم و حرج كبير ، تدفعه لأن يتنصل مما صدر عن ليبرمان باعتباره يمثل رأيه الشخصي لا رأي الحكومة ،و في تصريحاته الأخيرة نال ليبرمان بلسانه قادة تركيا و خاصة أردوغان و أوغلو فرماهما بالكذب.
كما وصف طلبهما بأن تقدم (إسرائيل) الاعتذار عما اقترفت من جرائم حرب ضد سفينة مرمرة و المؤازرين الأتراك وما تعمدت بالقتل لتسعة منهم ثم الاستيلاء على السفينة و اقتيادها (أسيرة) إلى ميناء أسدود ؛ فوصف ليبرمان طلب تركيا هذا بالوقاحة ، دون مراعاة للمصالح المشتركة بينهما و التي عليها مدار السياسة بشكل عام ، و بلا مبالاة لإصلاح تلك العلاقة، و بغير حرص على إزالة أسباب التوتر بين الطرفين ، و لكن الأمر في الجانب التركي يختلف عن نظيره في الجانب العربي ؛فلقد عودتنا تركيا على الرد الذي يحفظ لها كرامتها و كرامة مواطنيها و مصالحها ، و يثور ضد الظلم و الإرهاب الإسرائيلي و هو ما رأيناه من أردوغان في أكثر من موقف مثل موقفه في دافوس ، و ثورته على ما اقترفته (إسرائيل) ضد مرمرة و إصراره على كسر الحصار و تحذيراته المتكررة لإسرائيل من اقتراف أي حماقة و إصراره أيضا على أن تعتذر (إسرائيل) و إغلاق الفضاء التركي أمام الطائرات الحربية الإسرائيلية و عدم الاكتراث لشكر نتنياهو لأردوغان على إسهام تركيا في إطفاء حرائق الكرمل ، و إصراره على كسر الحصار عن غزة ...
و هذا ما لم نسمع معشاره من أي صانع قرار عربي و لا وزير خارجية لدولنا من المحيط إلى الخليج !!! و ليتهم يكتفون بالصمت فلا يردون و لكنهم يخطبون ود (إسرائيل) و يرحبون بقادتها في بلاد العرب سرًا و جهرًا ، حتى ليصل الأمر إلى عدم اتخاذ قرار فردي أو جمعي إلا بعد عرض الأمر على واشنطن (مجازًا ) و تل أبيب (حقيقة) و هو ما يكرس الشعور لدى الشعوب العربية بالضعف و الهوان و الدونية ، و يحبط الجيوش و يدفعها إلى اللامبالاة و (البرود)، و إذا ما انتفضت فضد شعوبها قمعًا و ردعًا و تحطيمًا ، و لعل المثل الأقبح لذلك يتمثل فيما نراه و نسمعه من سلطتنا التي يصفها ليبرمان بعدم الشرعية لأنها لا تجري انتخابات ديمقراطية ، و لأمر في نفس ليبرمان يبرر ذلك بقوله :(خشية أن تفوز حماس) ليصل إلى نتيجة مؤدَّاها : أن عقد اتفاقية سلام معها (أي مع سلطتنا) مستحيل ، و ينسى أن يعلن عن موعد الحرب التي تزمع (إسرائيل) شنها على غزة تاركًا أمر التهديد بها لسلوفان شالوم دون أن تحرك سلطتنا شفتيها و لو بالعتاب لما صرح به ليبرمان، بل توعز لسكير فاجر ساقط أن يخرج على شاشة الإخبارية السعودية ليحلل مواقف حماس (الخيانية – الإرهابية – الانقلابية - الجبانة) و كأنه (غــول) يتحفز لالتهام رأسها!!!
