الخميس 01 يناير 2026 الساعة 08:12 م

مقالات وآراء

مرج الزهور

حجم الخط

سيظل هذا الاسم مرادفاً لبطولة فذة لم يسبق لها مثيل في تاريخ النضال الفلسطيني لعدة اعتبارات.

 

الأول: أنها قد وقعت في ذروة الانتفاضة التي زلزلت الكيان الصهيوني، وعلى رأسه رابين التي أعيته الحيل في القضاء عليها، وهو الجنرال الذي امتلأ سجله العسكري بالانتصارات، حتى برز اسمه كقائد من بين القادة المعدودين في جيش الدفاع، الذي ما سجلت عليه هزيمة كاملة خلال أربعة حروب خاضها مع أنظمة عربية من سنة 48 ومروراً ب 56 و67 و73.

 

الثاني: ارتبط اسم اسحق رابين بزعامة حزب العمل المؤسس لدولة (إسرائيل) وجمع في (تاريخهم) بين القيادة العسكرية والقيادة السياسية ببراعة.

 

الثالث: عرف عن رابين اتخاذه قرارات صارمة في إدارته للصراع مع الفلسطينيين، وتعامله مع المفاوض الفلسطيني باستعلاء وإصرار على رؤية (إسرائيل) للحل رغم اندفاع عرفات نحو السلام الذي أطلق عليه سلام الشجعان، وظل كذلك حتى اللحظات الأخيرة؛ صارماً متجهما حتى اللحظات التي مد فيها عرفات يده متردداً في أن يقابل اليد الممدودة بيده، رغم تشجيع كلينتون وحضور كل من الملك حسين والرئيس مبارك.

 

الرابع: بلغ ظلم جيشه -في عهده- في معاملة الشباب الفلسطيني المنتفض مداه، وبأوامر منه، وكان من أبرز قراراته فيها تحطيم عظام الفلسطينيين، وقد كان، إلا أن الانتفاضة قد اشتد أوارها حتى حرقت قلبه في زمهرير الشتاء.

 

الخامس: لم تفلح إجراءات رابين التعسفية في إنهاء الانتفاضة خاصة بعد أن أدرك أن التيار الإسلامي قد أخذ يجرف تلك الإجراءات ويفشلها رغم تصاعد أعداد الضحايا والشهداء، وامتلاء السجون والمعتقلات؛ مما شغل قطاعاً كبيراً من الجيش العامل والاحتياط جميعاً، وعرّض أمن (إسرائيل) لخطر حقيقي سواء من داخلها حيث عرب 48، أو المحيط العربي الذي أخذ يتفاعل مع الانتفاضة مما يعرض اتفاقية السلام المصرية – الإسرائيلية لخطر حقيقي، كما يعرّض اقتصاد (إسرائيل) لخسائر فادحة، وهو ما ضاق به صدر رابين ذرعاً.

 

السادس: تطور الفعل الفلسطيني بعد تنامي قوة حركتي حماس والجهاد إلى درجة أرعبت الجندي الإسرائيلي، فأخذ الكثير منهم في التمرد على أوامر قيادتهم إمَّا بالعصيان عن تنفيذ أوامر الخدمة في غزة أو الضفة، أو بالهرب من معسكرات الجيش الأمر الذي نظر إليه رابين بخطورة بالغة.

 

السابع: أخذ المجتمع الإسرائيلي في التبرم من سياسة رابين الفاشلة في إنهاء الانتفاضة، والتشكيك في قدراته القيادية، حتى ارتفعت الأصوات بإسقاط حكومته والذهاب إلى انتخابات مبكرة قبل أن يلتقط رابين ثمرات مسيرة السلام التي بدأها اسحق شامير في مدريد، ثم استأنفها رابين في قناة أوسلو السرية.

 

الثامن: نجحت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في قمع النضال الفلسطيني بالإبعاد منذ أوائل السبعينيات، حتى وصل الأمر أن تقدم على إبعاد رؤساء بلديات أو تفجير سياراتهم؛ لأنهم شكلوا في مرحلة ما خطراً على الاحتلال وهنا ضرب رابين ضربته في لحظة سكر مجنونة بإبعاد المئات، إلا أن قراراً احترازياً من كبير قضاة المحكمة العليا أوقف عجلات الحافلات على بوابة المطلة، فعاد المئات للسجون بعد أن عبرت أخرى ب 415 مجاهداً.

 

التاسع: قدم هؤلاء من صور الصمود والبطولة والإصرار ما مثّل ملحمة عزّ نظيرها، أفضت إلى تحقيق انتصار غير مسبوق للفلسطيني، مقابل هزيمة غير مسبوقة لرابين، أمام ذهول العالم من صحافة وفضائيات وبرلمانات وشارع، وهذا يحتاج إلى كلام جديد.