لا يختلف شريفان على أن أمريكا هي سيدة الإجرام و العدوان والغدر في الدنيا، وهو ما ورثته من أخلاق أولئك المجرمين الذين صحبوا كريستوفر كولومبوس عند اكتشافه لها، فلقد كانوا من عتاة المجرمين والذين شاءت إيزابيللا أن تتخلص منهم فألقت بهم إلى بحر الظلمات بعد أن أخرجتهم من ظلمات الزنازين وأقبية السجون، وما أن وصلوا حتى انفلتوا كالوحوش الضواري، ففتكوا بالهنود الحمر؛ قتلا و تذبيحا، فإن تثلمت سيوفهم وخناجرهم فبالمناشير...
وما أمريكا اليوم إلا فرع من تلك الشجرة الملعونة ؛ لذا فلا نعجب من هذا الإجرام البشع الذي رأته الدنيا في فيتنام و العراق و أفغانستان ، و الذي فضحته ويكليكس التي كشفت الغطاء عن عشرات الآلاف من القتلى من المدنيين من نساء و شيوخ وأطفال بيد أمريكا ، كما كشفت حرب الخليج الأولى و الثانية عن نوع من الأسلحة التي استخدمتها ضد كل ما هو حي ، و بما سمم البيئة و دمرها لعشرات السنين بما يذكرنا بهيروشيما و ناجازاكي ، و كل هذا يعرفه الساسة العرب و قياداتهم ، و يعرفون المزيد...
يعرفون الدعم غير المحدود لأنظمة شمولية دكتاتورية لأنها تسالم (إسرائيل) رغم تناقضها مع ديموقراطية أمريكا ، فقد دعمت نظام شاه إيران الذي عُرف بكلب الحراسة على مصالح أمريكا في حرب الخليج ،و الذي اتسم بالبطش من خلال جهازه الأمني الرهيب (السافاك) كما اتسم بالفساد المالي و الأخلاق و السياسي ، و ما نال الشاه ذلك الدعم إلا لصداقته غير المتناهية لـ(إسرائيل) حيث جعل أرض إيران و سماءها و ثرواتها ملاعب يسرح فيها الموساد و يمرح ، كما يسرح فيها المستثمرون الإسرائيليون بلا ضابط و لا حسيب ، وأغمضت أمريكا عينيها عن كل ذلك ،و في المقابل تعمل على تدمير السودان على رأس أهله بعد تمزيقه ، و تشوه سمعة رئيسه بإلصاق تهم الفساد المالي به لأنه يقول لـ(إسرائيل) لا.
إن أمريكا التي تدعم نظام كرزاي العميل ، رغم فساده الذي أزكم أنوف الدنيا و ذيليته... هي أمريكا التي ترفع شعار إصلاح نظم الكون بديموقراطيتها... هي أمريكا التي تحرص على بقاء كرزاي في الحكم رغم تزويره للانتخابات أمام كاميرات الفضاء؛ فتؤيد نتائجها رغم أنها لا تمثل إرادة الشعب الأفغاني بحال ، وفي المقابل نجد أمريكا تمتشق سيفها لتجتز أعناق النظم التي تقول لـ(إسرائيل): لا!!..
وهو الذي فعلته مع دول عدم الانحياز في الخمسينيات و الستينيات حتى فككتها ، و للدول الأفرو-آسيوية و منظمتها ، ثم لدول الطوق حتى أخرجتها بالترغيب ( بمليارات الدولارات ) أو بالترهيب (بحروب مهلكة و مدمرة) كما جرى للعراق التي دمرته بدعوى امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل ، ليدفع العراق ثمن فاتورة عدائه لـ(إسرائيل) ، و هاهي سوريا و لبنان و غزة ، و هاهي فنزويلا و كوريا..
وأما في الضفة حيث عباس و سلام وأجهزتهما فإنهم يلقون الدعم الأمريكي إلا فيما يتعارض مع مصالح (إسرائيل) ، فتنتفض أمريكا كما لو لسعتها عقرب ، لتقول :لا. و عندما وصل إلى مسامعها نية عباس الإعلان عن دولة من جانب واحد ، وقفت أمريكا بكل غرورها و غدرها و جاسوسية سفرائها (حسب شافيز) لتحول دون ذلك ، حتى إذا سمعت باعتراف بعض دول أمريكا اللاتينية بها أقرت أمريكا قانونا من خلال الكونجرس بعدم الاعتراف بهذه الدولة إلا إذا رضيت عنها (إسرائيل) ، و هو ما دعا سلام فياض إلى الإعلان عن أن السلطة لن تعلن عن قيام دولة فلسطينية من جانب واحد ، و هو ما يتناقض مع ما صرح به عباس.
إن هذا الموقف الأمريكي يعتبر موقفاً متقدماً عن موقف الكنيست ، و قد اتخذته أمريكا غير مبالية بمشاعر الأنظمة العربية، و التي يستضيف عدد منها قواعد عسكرية أمريكية ، و تحصل أمريكا على مليارات براميل النفط سنوياً من باطن أرضهم ، كما تحتضن أرضهم مكاتب لضباط السي آي إيه ، ورغم أن لبعض تلك الأنظمة مواقف متشددة جداً تجاه حماس و حكومتها ، بل ضد أي مقاومة للمشروع الصهيوني برمته و منها سلطة عباس ، إلا أن أمريكا لا تبالي بكل ذلك ، و تضع مصلحة (إسرائيل) في بؤرة اهتماماتها ، و هو ما يجب أن تأخذه السلطة في اعتبارها ؛فلا تتمادى بمزيد من التفريط بحقوق الشعب الفلسطيني بإصرارها على أن تظل أمريكا راعية للسلام و مسيرته.
