السبت 27 ديسمبر 2025 الساعة 10:31 ص

مقالات وآراء

منير شفيق

مفكر إسلامي عربي
عدد مقالات الكاتب [329 ]

أنظمة: فالج لا تعالج

حجم الخط

أُبلغت سلطة رام الله رسمياً من قِبَل أمريكا وقف ربط المفاوضات بتجميد الاستيطان، ومن ثم بدء البحث عن مداخل أخرى لإطلاق عملية التسوية.

 

يُفترض برئيس سلطة رام الله محمود عباس وسلام فياض أن ينعفا التراب على رأسيْهما إزاء هذه الفضيحة الجديدة التي دخلها رهانهما على أمريكا في الوصول إلى تسوية على أساس "حلّ الدولتين".

 

ويُفترض بأن يفعل الشيء نفسه أحمد أبو الغيط وزير خارجية مصر؛ لأن الرئيس مبارك مشغول حالياً بنتائج الانتخابات وتداعياتها. وذلك بالرغم من أن التزوير هنا لا يقلّ خطورة عن فضيحة الرهان على أمريكا وإدارة الملف الفلسطيني مصرياً.

 

السياسة الرسمية المصرية وراء كل خطوة يتخذها محمود عباس في موضوع التسوية. ولهذا اكتفى الناطق الرسمي الفلسطيني بوصف تلك الأزمة-الفضيحة بأن الوضع أصبح صعباً. ولم يزد شيئاً على هذه العبارة المضحكة الفضفاضة، والتي تنطبق على كل وضع كذلك. وذلك بانتظار الموقف المصري الذي سيبلّغ لمحمود عباس بعد لقائه القريب العاجل بالرئيس المصري. وهو ما حصل فعلاً وأبقى الباب مفتوحاً بانتظار الخطوة القادمة.

 

وبالمناسبة أصبحت العلاقة المصرية وبعض العربية (الأكثرية) بالقضيّة الفلسطينية تتسّم بالمعادلة التالية: الرئيس محمود عباس يتلقى التعليمات من القاهرة. وهذه تتم بصورة سريّة وإن كانت معروفة للقاصي والداني. ثم يحوّل محمود عباس تلك التعليمات إلى مواقف وسياسات فلسطينية، ثم تعلن حكومة مصر تأييدها للموقف الفلسطيني ولما يطلبه عباس، ثم تجتمع لجنة المتابعة لمبادرة السلام العربية (سيئة الصيت والمصير) في الجامعة العربية، لتعلن بأغلبيتها الساحقة دعمها للموقف الفلسطيني كما يعبّر عنه محمود عباس.

 

باختصار لم يعد هنالك سياسة مصرية وعربية، عدا سورية وقطر إزاء القضيّة الفلسطينية التي أصبحت رهينة عملية التسوية عبر دعم "مواقف" محمود عباس التي أصبحت الغطاء لمواقف مصر ولجنة المتابعة، وبالطبع الأمانة العام للجامعة العربية.

 

ولهذا دأب جورج ميتشل، كما قبله كونداليزا رايس، أن يذهب إلى مصر ويتفاهم على الموقف من المطروح الآني في عملية التسوية، ثم تبليغ محمود عباس الموقف المطلوب منه اتخاذه. ومن ثم يصبح اللقاء بين ميتشل وعباس إجرائياً وشكلياً أو محسوماً سلفاً

 

ولهذا فإن المشكل المتولّد عن القرار الأمريكي الجديد موجّه إلى الرهان العربي على أمريكا قبل أن يكون موجهاً إلى المفاوض الفلسطيني العتيد ورهانه الفاضح على أمريكا.

 

وبكلمة: أمريكا تقول لمن يهمّه الأمر يجب أن تخفضوا سقف المفاوضات مرّة أخرى. وعليكم أن تحسِّنوا إخراج ذلك أمام شعوبكم. وبهذا يفترض بالوضعيْن الرسمييْن الفلسطيني والعربي اللذيْن راهنا على أمريكا ورهنا القضيّة الفلسطينية: عليها، أن يعيدا النظر في هذيْن الرهانيْن للقضيّة الفلسطينية ولمستقبلهم السياسي.

 

إعادة النظر تفترض سقوط، أو إسقاط، هذيْن الرهانيْن. ومن ثم سقوط أو إسقاط استراتيجية التسوية والمفاوضات من حيث أتى.

 

أما اللف والدوران لاستيعاب الموقف الأمريكي الجديد. ومن ثم الاستمرار في الرهان عليه فسوف يقود، بدوره، إلى المزيد من تخفيض السقف أو بعبارة أخرى إلى المزيد فالمزيد من التنازلات، وصولاً إلى التسليم الكامل بالحل الإسرائيلي (الأمريكي) في تصفية القضيّة الفلسطينية.

 

هذا ليس استنتاجاً قابلاً للنقاش؛ لأن الخط البياني منذ الرهان على أمريكا ومنذ أول تنازل عن ثوابت القضيّة الفلسطينية حتى اليوم يشير إلى تلك النهاية، فعلياً، على الأرض أولاً ثم سياسياً ثانياً. ولا يغيّر من هذا المصير سوى العودة المبكرة إلى البيت، أو ما يشبهها.

 

والآن، ما هي النتيجة التي يمكن الخروج بها انطلاقاً من هذا الخط البياني؟ الجواب باختصار أصبحت القيادات السياسية الفلسطينية والعربية التي اتبّعت سياسة الرهان على أمريكا وتبنت استراتيجية التسوية والمفاوضات، وأسقطت الممانعة، وحاربت المقاومة، غير قادرة على التغيير في خياراتها السياسية والإستراتيجية حتى لو أدّت إلى التصفية الكاملة للقضيّة الفلسطينية، وأودت بهم وبأنظمتهم إلى الانهيار المحتوم.

 

ومن ثم سيظلون على سياساتهم نفسها، وعلى طريقة إدارتهم لها، مهما كان المأزق وكانت الفضيحة. تماماً كحال المدمن على المخدرات الثقيلة، والذي لم يعد يقوى على البحث عن أي علاج أو الاستجابة إلى أيّة معالجة.

 

هذه القناعة هي التي أخذت تنتشر على مستوى فلسطيني وعربي عام، ليس على المستوى الشعبي فحسب، وليس على مستوى النخب المعارضة فحسب، وإنما أيضاً حتى على مستوى من هم دون الصف الأول في تبني تلك السياسات وذلك النهج. وخلاصتها "فالج لا تعالج".

 

وبهذا تكون الأوضاع أمام خياريْن: إما التغيير الحاسم وإما الفوضى أو تحلّل الجسم كما يحدث حين يفتك به السمّ الزعاف.