لعل من أهم الأمور المستفادة من نشر ملفات الخارجية الأمريكية عبر موقع ويكيليكس هي الحقيقة التالية أن لا سرية أو ثنائية في أي محادثات أو دردشات دبلوماسية تجري بين رجالات العالم والإدارة الأمريكية، التي لا تترك أي لقاء حتى على مستوى المبعوثين الرسميين وغير الرسميين إلا وتقوم بتسجيله والاحتفاظ به، والاستفادة منه في المستقبل.
هذا الدرس يجب أن يستفيد منه الزعماء والرؤساء في العالم الذين يعتقدون أن ما يحكم الدبلوماسية الأمريكية أو غير الأمريكية هو الأخلاق والمبادئ، لأن الحقيقة التي بينها ويكيليكس هي أن المصلحة هي التي تحكم هذه الدبلوماسية ولا أخلاق في السياسة الأمريكية، وأن كل ما لديها يجب أن يكون في خدمة مصالحها أولاً وأخيراً، وهذا ما كشفه هذا النشر لهذه الوثائق التي لم تترك شاردة ولا واردة في العالم كانت أمريكا حاضرة فيها إلا وسجلتها، وقد تثبت الأيام القادمة أن هذا النشر لم يكن عملاً تخريبياً أو قرصنة على الخارجية الأمريكية وإنما هي لعبة قذرة من قبل المخابرات الأمريكية وفق لعبة الابتزاز لهذه الشخوص الكرتونية العالمية البلهاء والتي تثق بالإدارة الأمريكية وثوق الأعمى بمن يرشده.
الدرس المستفاد من نشر هذه الأوراق من قبل الزعماء العرب هو أن يكونوا على درجة عالية من الحذر من قبل الإدارة الأمريكية والتي لا يؤتمن لها جانب، ولا يعني ذلك أن يجلس هؤلاء الزعماء صم بكم أمام المبعوثين أو القادة الأمريكان، ولا يعني أن يتحدثوا بكل شيء وكان الواحد منهم يتحدث مع نفسه ظاناً أن هناك ثقة بين الجانبين ومصالح مشتركة، لأن مَثلَنَا العربي يقول (احذر عدوك مرة وصديقك ألف مرة فإن انقلب الصديق فهو أعلم بالمضرة)...
وفي المقابل على الرؤساء العرب والمسلمين أن يأخذوا حريتهم كاملة في الحديث أمام من يريدون وفق مصلحة شعوبهم، ولكن عليهم في المقابل أن يكونوا أكثر صراحة ومكاشفة أمام شعوبهم واطلاعهم على كل ما دار بينهم وبين هؤلاء المبعوثين الموفدين من قبل أمريكا أو غير أمريكا طالما أن السياسة والدبلوماسية بلا أخلاق، وما ظنوا أنه سر ستحفظه أمريكا وهو ما سيؤثر على علاقاتهم بشعوبهم ويطعن بمصداقيتهم.
المكاشفة والمصارحة تزيد الثقة بين الشعب والقيادة، وتشكل هذه الثقة الجدار الحامي لهذه الأنظمة وهؤلاء الحكام فيصبحوا لا شيء لديهم يخشونه، أو يشكل ممسكاً ضدهم من قبل الإدارة الأمريكية لو اختلفوا من أن تفضحهم وتكشف مساراتهم لها من خلال اللقاءات الدبلوماسية ما يفضحهم أمام شعوبهم، كما حدث في أعقاب هذه الأوراق التي كشفت سوءة كل من أمريكا وهذه النظم.
هذا هو الدرس الذي يجب أن يدركه الجميع أن أمريكا لا تؤتمن، وأن لا أسرار لديها يمكن أن تحتفظ بها، وأن من يعتقد أنه صديقها اليوم قد يصبح غداً عدواً وعندها لن تبقي له أمريكا ستراً أو سراً إلا فضحته، ويصبح مصيره كمصير الخيل الإنجليزي، حيث كانت القيادة العسكرية البريطانية عندما يهرم الخيل أو لم يعد يقوم بالمهام التي كان يقوم بها، على الفور تقوم بإعدامه من خلال إطلاق النار عليه في رأسه من أجل التخلص منه، هذه ما تفعله اليوم أمريكا و تقوم به إما بالقتل والاغتيال أو الفضائح التي لا تقل عن القتل بالرصاص.
هل سيستفيد الزعماء العرب من نشر هذه الأوراق (الوكيليكسية) ويصبحوا أكثر صراحة مع شعوبها، ووضعهم في كل ما يجري من محادثات مع أي طرف من الأطراف العالمية حتى تكون هذه الشعوب على بينة واطلاع على سياسة بلادهم مع العالم دون خوف أو وجل.
