إن ما أقرت الإدارة الأمريكية من فشل مساعيها ( غير الحميدة) ليجمد نتنياهو الاستيطان في الضفة الغربية بما فيها القدس لتسعين يوما ، ولآخر مرة على أن تلبي له كل طلباته من تسليح بطائرات الشبح و F35وفيتو لأي محاولة إعلان دولة من جانب عباس ...
هو ليس إقراراً بالفشل فحسب ، بل هو إقرار بصفعة ساخنة على قفا ( كثير البرم) أوباما ، فقد أكد به نتنياهو على أن مشاعر أقوى رجل في العالم ، -أو هكذا ينظر إليه العرب – لا تساوي خردلة في نظر الإدارة الإسرائيلية ، إن تعارضت مع العقيدة الصهيونية التلمودية التي تنص على أن أرض فلسطين هي منحة (الرب ) لـ(إسرائيل) ونسله ، يحرم التنازل عن شبر منها ( للجوييم ) أي الأمميين والذين يأتي أوباما وعباس على قدم واحدة وفي مقدمتهم ..
أي أولئك المخلوقات الحيوانية التي ما خلقها الله إلا لخدمة اليهود ، وجعلهم على هيئة البشر كيلا تتقزز نفوس اليهود منهم !! وللحقيقة فإن أوباما رغم أصوله الزنجية المسلمة ، إلا أنه أرفع درجة من عباس العربي... ( فالعربيم ) الذين ينحدر عباس من أصلابهم – في نظر نتنياهو – ليسوا جوييما راقيا بل من أحط وأخس طبقاتها، وهذا الذي صرح به يوسف عوفاديا وخمسون حاخاما آخرون الذين أفتوا بتحريم تأجير الشقق التي يملكها يهود لأي عربي لهذا التصنيف الطبقي ..
ويأتي الإقرار في الوقت الذي تعلن فيه البرازيل والأرجنتين اعترافهما بالدولة التي يطمح عباس لإقامتها على الأرض الفلسطينية سنة 67، وبالتالي فهو اعتراف قبل ( الهنا بسنة ) بما اعتبرته جوقة عباس انتصاراً يستحق أن يشكل تاريخ وقوعه عيداً قومياً لفلسطين .. خاصة وأنه يأتي من دولتين تحتلان الصدارة في زعامة ( كرة القدم ) و (المخدرات ) وهذا يضعنا أمام احتمالات ثلاثة :
الأول : أن يرى عباس في الموقف الإسرائيلي تعنتا صارخا ، يستحق تحريك المقاومة تجاهه خاصة بعد إقرار أمريكا بالفشل الذريع وانسحابها من المفاوضات المباشرة ، وهذا من عاشر المستحيلات ، فإن إيمان عباس بأن التعامل الوحيد والاستراتيجي الذي لا بديل عنه ولا محيد هو المفاوضات حتى وإن أفنى جيش الدفاع كل الشعب الفلسطيني ، وهذا أيضاً مستحيل ، فلن يسمح عباس بضرب (إسرائيل) ولو بالزهور حتى وإن استولوا على موطئ قدمه وأنشؤوا عليه كشكا لبيع الهيروين .
الثاني : أن يذهب عباس إلى مفاوضات غير مباشرة تستمر مائة سنة ليحصد من ورائها الهشيم ويقبض الريح ، خاصة وأنه لم يفقد الأمل في الإدارة الأمريكية وعلى ثقة في أنها ستفي بوعدها بالمساعدة في حل ( وسط ) القضية على مبدأ الدولتين ، ولو ابتلع اليهود كل الأرض وهودوا المقدسات وهدموا الأقصى وأنشؤوا الهيكل ، فإن يوما ما ستفي أمريكا بوعدها حتى وإن اعترفت بالقدس الموحدة هي العاصمة الأبدية لإسرائيل..
حتى ولو منحت لإسرائيل جرافاتها وترساناتها وبلدوزراتها لتجعل من الضفة مستوطنة واحدة تربطها شبكات السكك الحديدية، وتطحن عظام أموات الشعب الفلسطيني قبل أحيائه ، حتى ولو جعلت كل الشعب الفلسطيني عمال نظافة أو عمال بناء للشركات التي فازت بعطاءات هدم الأقصى وبناء الهيكل ، لينضموا – بعد – إلى طوابير الجواسيس أو فرق التنسيق الأمني ، ثم ليكونوا (بنودا ) على طاولة المفاوضات غير المباشرة لتحل لهم مشاكلهم التي قد تستغرق عشرات أخرى من السنين ، في الوقت الذي يزداد فيه عدد الدول التي تعترف لعباس بدولته التي سينشئها بالمفاوضات على حدود 4/6/67 دون أن تعترف (إسرائيل)؛ مما يجعل قيام الدولة مستحيلا بل ألف مستحيل .
الثالث : أن يعلن عباس فشله من كل ذلك ، ويستمر في خياراته السبعة التي تبدأ بالأمم المتحدة ثم الأمم المتحدة ثم الأمم المتحدة لتنتهي بالأمم المتحدة في الوقت الذي تتتابع ( طرقعات ) كف نتنياهو على قفا بان كي مون بعد أوباما ثم على أقفية قادة العرب ، ثم يخرج لهم آخر صورة للمبادرة العربية ليضعها في ( ... ) ويسحب عليها سيفون ( حامات )!!! فيدب في قلبه اليأس فينسحب، فإذا ما أعلن عباس ذلك فإنه يختار الطريق الصحيح الذي كان يجب عليه أن يختاره منذ أمد بعيد ، وهذا – أيضا – لن يكون ، وهو ما يملي على الشعب الفلسطيني كله (كفرض عين لا كفاية) أن يخرج إلى الشارع في غضبة عارمة أشد قوة وعنفوانا من الانتفاضتين الأولى والثانية ، وفي هذه الحالة يتعلم نتنياهو كيف يحترم إرادة الشعب الفلسطيني ، لا نزوات الإدارة الأمريكية ونفاقها ولا ثرثرات أوباما التي لا تساوي خردلة .


