كم نحتاج من جهد كي نصفي تراث المسلمين مما علق به من الزيادات والتحريفات والتشويهات ما أضَّر بسمعة الاسلام كدين، وازرى بالمسلمين كمنتمين اليه... ورغم كل الملاحظات التي أبداها الدارسون للمدرسة الاصلاحية (محمد عبده، رشيد رضا... إلخ) فإن جهود هؤلاء أثمرت في جوانب كثيرة لصالح الأمة دينا ودنيا... يعتبر الشيخ محمد الغزالي امتدادا لمدرسة الاصلاح الديني وموقفاً من البدع العملية والتأويلات الاعتقادية تتناغم مع من سبقه والاختلاف في درجة النزعة العقلية التي يميل اليها الشيخ في قراءة ما يوهم التعارض بين بعض النصوص والعقل... لكن في مسائل مبالغات التصوف - رغم انصافه لهم - وأهوال ما يحصل عند الاضرحة والمقامات للمقبورين صالحين ومجهولين فإنه موقف جميع العقلاء الذين يحزنهم هذا الواقع المرير، واريد ان انقل قناعات الشيخ بل ومعاناته في هذا الاصلاح من خلال مواقف متعددة واترك الاستنتاج للقارئ، اذ بعضها صريح والآخر فيه رسالة مضُمْرة.
الولادة متعسرة يامقبور
قال الغزالي في كتابه «دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين»: «والغريب ان اناسا عندنا يرسلون شكاوى مكتوبة الى ضريح الامام الشافعي وآخرين يفزعون الى قبور بعض الأولياء متذللين يطلبون منها ما لا يقدر عليه إلا رب العالمين».
حكى بعض الظرفاء انه كان جالسا في مزار مشهور، فجاء رجل يطلب من الولي الميت النجدة! لأن امرأته تلد والولادة متعسرة! وانصرف، واذا رجل يجيء بعده ليطلب مساعدة ابنه الذي دخل الامتحانات العامة! وهنا قال له الظريف الجالس: ان الولي ليس هنا، فقد ذهب لتوليد حامل تعسر وضعها!!
الواقع ان دعاء المقبورين اضحى مهزلة سخيفة،. وان الاعتذار عن هذا المسلك لايسمع من أحد.
تحذير الجماهير
ويقول في كتابه عقيدة المسلم: «التوحيد في الاسلام حقيقة وعنوان، وساحة وأركان، وباعث وهدف، ومبدأ ونهاية، ولسنا - كذلك - ممن يحب تصيد التهم للناس، ورميهم بالشرك جزافا، واستباحة حقوقهم ظلما وعدوانا».
ولكننا امام تصرفات توجب علينا النظر الطويل، والنصح الخالص، والمصارحة بتعاليم الكتاب والسنة كلما وُجد عنها ادنى انحراف لقد اهتمت حكومة انكلترا - في سبيل مكافحة الشيوعية - بالحالة الدينية، في مصر!
فكان مما طمأن على ايمان المصريين (!) أن ثلاثة ملايين مسلم زاروا ضريح احمد البدوي بطنطا هذا العام.
والذين زاروا الضريح ليسوا مجهولين لديّ، فطالما أُوفدت رسميا لوعظهم، فكنت اشهد من أعمالهم ما يستدعي الجلد بالسياط لا ما يستدعي الزجر بالكلام، وكثرتهم الساحقة لا تعرف من فضائل الاسلام وانظمته وآدابه شيئا.
تسخير الشعوب
وفي كتابه «ليس من الاسلام» تكلم الغزالي عن استغلال المستعمرين امية المسلمين وتحول عباداتهم الى طقوس رهبانية ومظاهر شعاراتية، فقد نجح نابليون بتظاهره بالاسلام عقب احتلال القاهرة والجنرال «ميتو» الذي اعلن ان اسمه عبدالله و«لورانس» الذي استغل المظهر الاسلامي واستولى على جزيرة العرب... ثم قال نصا: «وبهذه المناسبة اذكر ان احد كبار الشرقيين، حدثني عن بعض اساليب الاستعمار في آسيا، من ان الضرورة كانت تقضي بتحويل القوافل الآتية من الهند الى بغداد عبر تلك المنطقة الواسعة الى اتجاه جديد، للمستعمر فيه غاية، ولم تُجدِ اي وسيلة من وسائل الدعاية في جعل القوافل تختاره.
واخيرا اهتدوا الى اقامة اضرحة وقباب عدة على مسافات متقاربة في هذه الطريق، وما هو إلا ان اهتزت الاشاعات بمن فيها من الاولياء، وبما شوهد من كراماتهم، حتى صارت تلك الطريق مأهولة مقصودة عامرة.
الحسين والشافعي
وفي كتابه «دستور وحدة المسلمين» يكشف الضياع بصيغة رمزية فيقول: «قالوا: عندما احتل الانكليز القاهرة في القرن الماضي، ذهب حشاش الى قبر الامام الشافعي يلومه كيف عجز عن رد هؤلاء المغيرين؟ فقال له حشاش آخر معتذرا: اذا كان الاكبر منه، الامام الحسين نفسه عجز عن ردهم فما يفعل هو؟!» وللحديث بقية.
