إذا كنا قد فهمنا وأيدنا الرفض المصري للرقابة الدولية على الانتخابات. فإن ما يحيرنا حقا هو ذلك الإصرار على رفض الرقابة المحلية أيضا، الأمر الذي يعجز المرء عن أن يجد تفسيرا بريئا له.
أدري أنه بوسع أى مسؤول أن يقسم بالثلاثة على أن منظمات المجتمع المدني المصرية حاضرة في المشهد وقائمة باللازم، إلا أن ذلك القسم لا يصمد أمام التفاصيل التي تسربت خلال الأسبوعين الماضيين، وكشفت عن أنه حضور أقرب إلى الغياب.
قبل أي كلام في التفاصيل لا بد أن نقرر بوضوح أن العملية الانتخابية كلها، من أولها إلى آخرها تديرها الأجهزة الأمنية، وأن أي طرف آخر يقحم في السياق هو إما مستخدم من قبل تلك الأجهزة، أو أنه مجرد "ديكور" لتجميل الصورة، وتحسين المنظر أمام العالم الخارجي.
لقد أدركت الأجهزة أن منظمات المجتمع المدني كانت نشطة في انتخابات عام 2005، وأنها اكتسبت خبرة شجعتها على التحفز لمراقبة مراحل الانتخابات الحالية، فقررت اختراق ذلك القطاع بأسلوب بسيط للغاية، تمثل في تشكيل منظمات أهلية تابعة لها، وتشجيع بعض الجمعيات الأهلية التي تسيطر عليها في الأقاليم على أن تتقدم بطلبات لمراقبة الانتخابات، وكان لها ما أرادت.
في إحدى دوائر الإسكندرية التي رشح الحزب الوطني أحد الوزراء بها، تشكلت جمعية وأشهرت خلال ثلاثة أيام، و"انتخب" لها مجلس إدارة، وأدرجت ضمن منظمات المجتمع المدني التي ستراقب الانتخابات، وضمت قائمة تلك المنظمات جمعية لمكافحة السرطان، وأخرى لمكافحة التدخين. أما الائتلاف المستقل لمراقبة الانتخابات الذي ضم ثلاثا من الجمعيات الجادة، على رأسها الجمعية المصرية للنهوض بالمشاركة المجتمعية فلم يسمح لها بالإسهام في المراقبة، علما بأنها قامت بدورها في انتخابات عام 2005. (جمعية النهوض بالمشاركة وحدها حصلت على 800 تصريح في ذلك الوقت). ورغم أنهم أعدوا قائمة بأسماء 960 شخصا تدربوا على العملية، إلا أنهم حين ذهبوا إلى مقر اللجنة "العليا" للحصول على التصاريح اللازمة، فإن ضباط أمن الدولة الذين استقبلوا ممثليهم أبلغوهم صراحة بأن ثمة اعتراضات أمنية عليهم، بل طردوهم شر طردة بعدما وجهوا إليهم ما تيسر من السباب والشتائم المناسبة للمقام. ولدى المحامي أحمد فوزي عضو الائتلاف القصة كاملة لمن يريد أن يعرف التفاصيل.
ما حدث مع الائتلاف تكرر مع آخرين، والنتيجة أن نحو 90 في المئة من المنظمات الأهلية الجادة حرمت من الحصول على تصاريح المراقبة، وأن الحصة الأكبر من التصاريح منحت إما لمنظمات "الموالاة" سابقة الذكر أو إلى المنظمات المتصالحة مع الأجهزة الأمنية، لا يعني ذلك أن المنظمات الجادة أصبحت خارج كامل المشهد، لأن أعضاءها يتحركون وسط الناخبين في دوائر عديدة بغير تصاريح، وقد تعرض بعضهم للاحتجاز في أقسام الشرطة جراء ذلك، لكنهم لن يتمكنوا من دخول مقار لجان التصويت، لأن التصريح ضروري في هذه الحالة.
ما يثير الدهشة أيضا أنه لم يكتف بالتضييق على المنظمات الأهلية في الحصول على تصاريح، وإنما ضيقت التعليمات أيضا على الذين أعطيت لهم التصاريح، فقد ترك أمر دخول حامل التصريح إلى مقر لجنة التصويت مرهونا بموافقة رئيس كل لجنة.
وإذا ما قدر للمندوب أن يدخل فليس مسموحا له أن يتحدث مع أحد، فضلا عن أن التصوير محظور، وكل ما يستطيع أن يفعله أن يجلس صامتا ويدون ملاحظاته، علما بأنه في غياب التصوير فإنه يتعذر توثيق أية انتهاكات. وهو ما يعنى أن الإجراءات والقيود الموضوعة ضيقت كثيرا من المتابعة الجادة للانتخابات سواء من جانب المجتمع المدني أو الإعلام.
حتى إشعار آخر، فإن الجهة الوحيدة التي أفلتت من قبضة الأمن، وسيطرته كانت محاكم القضاء الإداري التي ألغت الانتخابات في العديد من الدوائر، وأصدرت المحكمة العليا قرارها الشجاع بضرورة تنفيذ تلك الأحكام، لكن "الأجهزة" لن تعدم وسيلة للتسويف والمماطلة في ذلك.
لا أخفي أن لدىّ رغبة في تصديق ما قيل عن نزاهة الانتخابات، بقدر حماسي لرفض الرقابة الدولية عليها، لكنني أرجوك أن تفكر معي -ولا تتردد في الاستعانة بصديق إذا احترت- في الإجابة على السؤال التالي: لماذا يا ترى ذلك التشدد المفرط في تعطيل مراقبة الانتخابات؟
