فجر الأحد وصلت إلى البلاد بعد ان قضيت اياما في مملكة البحرين تلبية لدعوة من جمعية (النور) للبر لإلقاء محاضرات فكرية ضمن مهرجان اقامته الجمعية بمناسبة العشر الاوائل من ذي الحجة.
جمعية (النور) والتي تأسست في العام 1997 تقوم على ادارتها كوكبة من كريمات اسرة آل خليفة الكرام تتقدمهن الشيخة لمياء بنت محمد شقيقة الشيخ فواز رئيس هيئة شؤون الإعلام، والذي تصادف وجوده في الكويت برئاسة وفد بلاده في اجتماعات وزراء اعلام دول الخليج، هذا التبادل المكاني الذي فوت على كلينا فرصة التلاقي.
كما رعت الفعالية الشيخة ثاجبة بنت سلمان عمة العاهل البحريني شقيقة رئيس وزرائها، وتوج مشاركة نخبة من الدعاة والداعيات في المهرجان حضور جماهيري كثيف غصت بهم القاعة الكبيرة على مدى يومين، وكان لمحاضرة الدكتورة عبلة الكحلاوي المصرية قبلي بيوم اثر بالغ.
عندما وصلت مطار البحرين كان بانتظاري في المطار كالعادة صديقي الإعلامي النشط اشرف سيف المرزوق والذي يلازمني في زياراتي للبحرين اذ لا نفترق الا عند بوابة الجوازات حيث مغادرتي عائدا.
وللمرزوق علاقاته الواسعة الوشيجة مع كل اطياف ونخب المجتمع الكويتي، وهو لمن لايعرفه من الفلسطينيين الذين ولدوا وعاشوا في الكويت، وواحد ممن سطروا اروع ملاحم الحب والوفاء لها في محنة الغزو والاحتلال وبسبب صيته الطيب وكفاءته المهنية فقد نجح البحرينيون في (اختطافه) من عمله الأخير في وزارة الإعلام الكويتية قبل حوالي سبع سنوات، حيث ظهر اخيرا على تلفزيون واذاعة الـ(بي. بي . سي) ومحطات فضائية واذاعية اخرى كمحلل سياسي ومراقب اعلامي لانتخابات البرلمان البحريني... ومن جهتي انا لم اسكت عن هذا الوضع، فسربت الى صديقنا العزيز وسفيرنا الذكي في المنامة الشيخ عزام المبارك الصباح امر هذا (الكنز) فما كان منه الا ان اقتنص حصة لا بأس بها من جهد وخبرة المرزوق الاعلامية لصالح الكويت وسفارتها.
وفي طريقنا من الفندق الى قاعة المحاضرة في منطقة (الجنبية) دار بيني وبين مرافقي حديث عن طيب أهل البحرين وتواضعهم ودماثة اخلاقهم وكيف يحتفون ويكرمون ضيوفهم والمقيمين عندهم.
وكان مما فاجأني به المرزوق قصة جميلة مفعمة بالعبر والدلالات رواها لي عن موقف حصل له ايام طفولته في الكويت.
قال لي: يابواحمد... ان طيبة اهل البحرين هي من صميم طبيعة وصفات التركيبة النفسية لأهل الجزر، وهناك بحوث ودراسات علمية محكمة تتحدث عن الخصائص الاجتماعية لأهل (الجزيرة) تميزهم عن سواهم من قاطني اليابسة ولعل من اهم تلك الخصائص التكاتف والتسامح والصبر والأمانة.
لن انسى ما حييت رحلتي الى جزيرة (فيلكا) في العام 1976 يومها كنت طالبا في المرحلة الابتدائية والكلام لايزال للمرزوق ساقتني الأقدار الى المكتبة الصغيرة والوحيدة في الجزيرة، كان يوم جمعة والمكتبة مغلقة، لكن ما أدهشني ان صاحب المكتبة (الفيلكاوي) ولكي لا يحرم (اهله) من شراء صحيفتهم المفضلة (وقيمتها وقتئذ خمسون فلسا) فقد ابقى حامل الصحف في الخارج وثبت عليه لوحة كتب فيها (ضع قيمة الجريدة اسفل الباب)!!... يكمل: نظرت الى باب المكتبة فاذا به مرتفع عن مستوى (الكاشي) بمسافة تسمح لاي كان بادخال كامل ذراعه للداخل، وبدافع الفضول الطفولي فقد جثوت على ركبتي ونظرت اسفل الباب فاذا بحفنة من الاوراق النقدية من فئات الدينار والنصف والربع ومثلها عملات معدنية يستطيع اي شخص وبسهولة متناهية سرقتها، لكن لا احد يفعل ذلك مروءة وشهامة، فالكل يشتري حاجته ويقوم بنفسه بعملية (التخريد) الصرف ويسترجع حقه الباقي بكل امانة وسلام، وصاحب المكتبة نائم قرير العين في بيته وبين ابنائه والمؤكد انه لم يشتك يوما من غدر او خيانة!!
أنهى صاحبي قصته واسترسلنا في غيرها، ولكني وللحظة لم استطع مغادرة دلالاتها، كيف وقد هزت وجداني حسرة وأيقظت ذكرى العقل تأسفا على زمن مضى ما كان له ان يعود ما لم تسترجع تلك القيم، ونزرع في ابنائنا اخلاق اهلنا وشيم اجدادنا العظيمة... فهل نفعل؟


