الجمعة 06 فبراير 2026 الساعة 03:28 ص

مقالات وآراء

فهمي هويدي

محلل سياسي وكاتب مصري
عدد مقالات الكاتب [1149 ]

ليست هذه مصر الكبيرة

حجم الخط

تحيرنا بعض تصريحات السيد أحمد أبو الغيط، فمنها لا نكاد نصدق أنها يمكن أن تصدر عن وزير الخارجية، ومنها ما نستغرب صدوره عن وزير خارجية بلد كبير مثل مصر، فلا أحد ينسى مثلا تهديده يوما ما بكسر رجل أي فلسطيني يعبر الحدود المصرية، الذي توقعناه من قيادة أمنية وليس رمزا سياسيا ودبلوماسيا.

 

 

لكن ما يهمني في اللحظة الراهنة هو الصنف الثاني من تصريحاته، التي كانت شديدة الوضوح في الحوار الذي نشرته له صحيفة الشرق الأوسط يوم السبت الماضي 13-11 .إذ آثار انتباهي ودهشتي في ذلك الحوار كلامه عن القضية الفلسطينية وعن لبنان.

 

في الموضوع الفلسطيني قال السيد أبو الغيط في تعليقه على التعنت الإسرائيلي في المفاوضات إنه يتعين على واشنطن وعلى الرباعية الدولية والأسرة الدولية بشكل عام أن تتخذ من المواقف ما يفرض على إسرائيل أن تعود إلى المنطق «الصواب» إذ لم نجد في كلامه أي إشارة إلى دور لمصر أو العرب أو لفلسطين. وكأن هؤلاء ليسوا طرفا في الموضوع. وأن دورهم لا يتجاوز حدود انتظار وترقب ما يصدر عن واشنطن والاتحاد الأوروبي.

 

الذي لا يقل غرابة عن ذلك ما قاله وزير الخارجية عن شكل التسوية النهائية للقضية الفلسطينية، الذي تمثل فيما يلي:

 

إقامة الدولة الفلسطينية خلال عام على خطوط عام 1967، (لم يذكر أنها أرض احتلت في ذلك العام)

ــ الدولة ستقبل بالتفاوض مع الجانب الإسرائيلي على تبادل محدود للغاية للأراضي

ــ يجب على الدولة أن تساعد إسرائيل على تحقيق أمنها

ــ يجب النظر إلى قضية اللاجئين بواقعية وموضوعية، في ضوء قرار قمة بيروت عام 2002 (التي دعت إلى حل «عادل» لهم).

لم يشر وزير خارجية الشقيقة الكبرى بكلمة إلى القدس الشرقية المحتلة. ولا أعرف إن كان ذلك على سبيل السهو أم مجاملة للإسرائيليين.

ثم إنه أيد مبدأ تبادل الأرض، الذي يعني في حقيقة الأمر أن تحصل إسرائيل على أخصب الأراضي التي تضم خزانات المياه الجوفية في مقابل الصحارى الجرداء التي تقدم للفلسطينيين،

كما أنه قدم تنازلا ضمنيا، ملفوفا عن حق عودة اللاجئين،

وفي الوقت ذاته فإنه اعتبر أمن إسرائيل من واجبات الدولة الفلسطينية.

 

أدري أنه لم يخترع هذا الكلام، ولكنه يستند إلى موافقات مسبقة من السلطة الفلسطينية أو مرجعية قمة بيروت. وإذ فهم ذلك، فإنني أتصور ألا يكون موقف مصر ملتزما بالحد الأدنى ومفرطا في القدس والأراضي وفي حق العودة. وهي من الثوابت التي تمنينا على وزير خارجية البلد الكبير أن يتبنى موقفا يليق بمكانته ويعبر عن تطلعات الشعب الفلسطيني الذي لا يملك أحد أن يتنازل عن أرضه أو حق لاجئيه في العودة إلى ديارهم التي أخرجوا منها.

 

وأستشعر حرجا حين أقول تلك المواصفات إذا عبرت عن تطلعات الإسرائيليين وحازت رضاهم، فإنها يقينا لا تعبر عن تطلعات الفلسطينيين. وكان متوقعا من «الشقيقة الكبرى» أن تنحاز إلى تطلعات الأخيرين لا أن تضم صوتها إلى صوت الأولين.

 

في كلامه عن لبنان اختار السيد أبو الغيط أن يرد على السيد حسن نصر الله وأن يغمز في قناته. وكان الأمين العام لحزب الله قد تحدث في خطاب أخير له عن تسييس المحكمة الدولية لقضية مقتل السيد رفيق الحريري ومحاولات إقحام حزب الله في العملية من خلال قرار الاتهام (الظني) المتوقع صدوره.

 

وفي ذلك قال إن اليد التي ستمتد إلى عناصر حزب الله ستقطع. فما كان من السيد أبو الغيط إلا أن قال في ثنايا حديثه إنه «لا يتصور أحد أنه قادر على قطع الأيدي، فذلك القطع يؤدي إلى الكثير من الخسائر التي تصيب صاحب القطع».

 

مما أعطى انطباعا بأن وزير الخارجية المصري أراد أن ينتقد السيد حسن نصر الله ويحذره من مغبة كلامه. وهو بذلك وجد نفسه واقفا بغير مبرر في مربع جماعة 14 مارس، وطرفا في التراشق الحاد الحاصل بينهم وبين جماعة 8 مارس، في حين أن الموقف المصري كان ينبغي أن يستعلي فوق الاصطفاف اللبناني، لا أن يكون منحازا إلى طرف بعض رموزه سيئة السمعة وليست فوق الشبهة.

 

من المفارقات أنه في حين تحولت مصر إلى طرف في المعادلة اللبنانية، فإن الموقف السعودي والسوري بدا أكثر نضجا ومسؤولية، حيث وجد البلدان في كلام السيد نصر الله إشارات إيجابية جرى توظيفها لصالح التخفيف من التأزم السياسي الحاصل في لبنان، وهو ما أكده تقرير نشرته صحيفة «الحياة» في اليوم ذاته (13/11).

 

أدري أن السيد أبو الغيط لا يعبر عن نفسه فحسب ولكنه ينطق بلسان جهات أعلى، الأمر الذي يعني أننا بصدد مشكلة أكبر من الوزير، وأن الخلل الحقيقي يكمن في رؤية تلك الجهات، التي احترنا بدورنا في شأنها بحيث لم نعد نعرف هي مع من وضد من.