لمشروع الأمريكي المقدم للجانب الإسرائيلي حول تجميد الاستيطان لمدة ثلاثة شهور على أن تكون المرة الأخيرة التي يطالب فيها بتجميد الاستيطان على أن تستثنى مدينة القدس من المقترح الأمريكي، مقابل تزويد (إسرائيل) بنحو 20 طائرة أف 35 من أحدث ما أنتجته الصناعات العسكرية الأمريكية والمقدر ثمنها بثلاثة مليار دولار ، والتعهد من قبل أمريكا بإحباط أي توجه فلسطيني إلى مجلس الأمن لعرض الموضوع وكذلك تعهد أمريكي بعدم عرض تقرير جولدستون أمام المؤسسات الدولية.
هذا المشروع ليس جديدا بل كان ضمن الأفكار الأمريكية الإسرائيلية وهو في الأساس موقف نتنياهو وتداولته وسائل الإعلام بشيء من التلميح وبعض التصريح، وتحدثنا عنه في مقالاتنا سابقا، وفي زيارة نتنياهو الأخيرة لواشنطن تم مناقشة المقترح الإسرائيلي مع الإدارة الأمريكية والتي قبلته ثم تبنته على أنه مشروع أمريكي لإنقاذ مشروع التصفية والتسوية للقضية الفلسطينية والتي تعثرت عبر المفاوضات المباشرة بسبب التعنت الإسرائيلي من موضوع الاستيطان ورفضها حتى الاستجابة للجانب الفلسطيني بتجميد مؤقت لمدة شهرين أو ثلاثة لمواصلة التفاوض بين الجانبين.
واضح أن الإدارة الأمريكية بذلت كل ما لديها لاسترضاء (إسرائيل) حتى تخرج بما يحفظ لها ماء الوجه بعد أن حاولت الضغط في اتجاه إنجاح المفاوضات من خلال تجنيد أوروبا والاعتدال العربي من أجل الدفع بالفلسطينيين إلى المفاوضات المباشرة وتوفير الغطاء العربي من خلال لجنة المتابعة العربية التي لا علاقة لها بالمفاوضات مع الجانب الإسرائيلي ولكنها اغتصبت حق الشعب الفلسطيني في الرفض أو القبول.
السؤال الجوهري، كيف سيتصرف محمود عباس وفريق التفاوض مع الموقف الأمريكي الواضح، هل سيعود إلى طاولة المفاوضات بحجة أن هناك تجميداً للاستيطان لمدة ثلاثة شهور وكأن الشرط الفلسطيني قد تحقق, وإغفال نقطة جوهرية وخطيرة وهي استثناء القدس من مشروع التجميد، لأن وجهة نظر (إسرائيل) أن القدس مدينة إسرائيلية خالصة مثلها مثل حيفا ويافا وتل أبيب، ولا يجب أن تخضع لقرار التجميد لكونها عاصمة (إسرائيل) الأبدية، هذه القضية بالنسبة لأمريكا منهية فهي تعترف بالقدس بشكل غير معلن بأنها عاصمة (إسرائيل) الأبدية بدليل قرار نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس وإن لم ينفذ، وقبول الفلسطينيين بهذا المشروع الأمريكي هو إقرار بالتنازل عن القدس وأحقية (إسرائيل) فيها كعاصمة لها.
لم يعد هناك تفكير أو تفسير مختلف لهذا الموقف الأمريكي، والتبني للمشروع من قبل الإدارة الأمريكية متوقع، والمعول الآن على الموقف الفلسطيني والذي رفضت الإدارة الأمريكية مجرد الاستماع للمطالب الفلسطينية أو المقترحات كالتوجه لمجلس الأمن أو الاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود 67 أو أي مقترحات أخرى قدمت من تحت الطاولة للإدارة الأمريكية.
الوضوح الأمريكي في الموقف يتطلب وضوحاً للموقف الفلسطيني وقرارا واضحا غير قابل للنقاش أو للمشاورة مع العرب، قرارا نابعا من الموقف الفلسطيني المستقل الذي يخدم مصالح الشعب الفلسطيني بعيدا عن الارتهان لموقف أمريكا أو غطاء عربي.
عباس وفريق التفاوض يعلم مسبقا أن أمريكا لن تكون يوما إلى جانب الحقوق الفلسطينية ورغم ذلك تمادى إلى ابعد الحدود في التعاطي مع الموقف الأمريكي، والآن لم يعد هناك ما يمكن أن يعول عليه، إما أن يعلن موقفا فلسطينيا رافضا للمشروع الأمريكي ويرفض العودة إلى المفاوضات المباشرة بل يرفضها بالكلية، وفي نفس الوقت يجب أن يرد الراية ويعيد القضية إلى أصحابها الحقيقيين وهم الشعب الفلسطيني ليقرر ماذا بعد؟.


