السبت 27 ديسمبر 2025 الساعة 04:12 ص

مقالات وآراء

خالد صافي

مدون وناشط إعلامي
عدد مقالات الكاتب [64 ]

كم مرة في العام تزور المستشفى العام؟

حجم الخط

معروف عني بين أقراني بغضي للمستشفيات ورائحة الفورمالين التي تعبق أزقتها، وكرهي للأدوية والعلاجات الصناعية، ومحافظتي على الحمية قدر الإمكان؛ للوقاية من الوقوع فريسة المرض والكهنة والتجار، سلسلة متآمرة تبدأ بكاهن مدّعٍ يحب أن يناديه من حوله بـ (دكتور) يتنبأ بعلتي، ويخط حرفاً كبيراً باللغة الإنجليزية بجانبه الكثير من الديدان والثعابين المتشابكة في ورقة تسمى (روشتة)، يتآمر من خلالها مع تاجر يُقال له (صيدلي) يقنعني ألا أمل في شفائي إلا بعد شراء نصف ما في دكانه الزجاجية من أدوية..

مؤخراً ساءت حالتي الصحية ولم أقو على الحركة نتيجة خلل لا أدري كنهه في الفقرات الأخيرة من عمودي الفقري، خرجت من العمل واستأجرت سيارة انطلقت بها للمستشفى – رغم كراهيتي الأزلية لها – وحدي مثل أي مواطن عادي يحب أن يُسعد المؤسسات العامة بزيارته ويُشغل الموظفين فيها بعمل مفيد إلى جانب حل الكلمات المتقاطعة وسوليتر، وأهديهم جسداً منهكاً يتمرنوا على تطبيبه..

 

هناك بدأت أشرح حالتي الصحية لأولهم، عرفت لاحقا أنه كاتب الاستقبال، ولا يعنيه إلا بطاقة التأمين الصحي، سجّل منها بياناتي على ورقة دخول ووجهني لغرفة جانبية، مضيت نحوها أندب حماقتي وجهلي بهذه المسلمات.. وعيت الدرس جيداً لن أتكلم إلا للطبيب المختص، كنت أعتقد أنني قابلته في تلك الغرفة، غرفة بحجم مطبخ بيتي علقت يافطة فوق بابها مكتوب عليها “قسم الجراحة والعظام – رجال” أما في الداخل فمكتب مهترئ وسرير فوقه ملاءة قديمة وعليهما طفل في العاشرة يغط في نوم عميق، وسرير آخر بدون ملاءة وبلا طفل، وليكتمل ديكور قسم الجراحة والعظام – رجال توجد مجموعة مختلفة من الأدوية والقوارير التي تنتشر في الأرجاء، وجبيرة قد تم كسرها عن ذراع أحدهم حديثاً تؤكد أن هذا القسم يهتم بالعظام، أما زمن إنشاء هذه الجدران فمؤكد أنه بعد طوفان سيدنا نوح بسنوات قليلة.

 

كان يرتدي الزي الأخضر المميِّز للعاملين في المكان، فعرفت بما لا يدع مجالاً للشك أنه الطبيب المقصود، فبدأت أشرح له علتي، وهو يهز رأسه تجاوباً، يا له من طبيب حكيم، يستمع حتى النهاية بلا مقاطعة ولا تدخل.. و..

- “هادا كل شي يا دكتور..!!”

أجاب:

- “استنى في القسم هنا أو برا في الانتظار لحد ما يصل الدكتور يشوف حالتك..”

- “… !!”

مؤكد أنني اخترت المقعد الأوسط في الممر المقابل لقسم الجراحة والعظام – رجال، ويقيناً أن صاحب الزي الأخضر لم يكن الطبيب، ومن الواضح أنني أجهل الكثير عن مواعيد العمل في المستشفيات..

نسج الوقت الطويل مبرراً لحوار بيني وبين شريكي في المقعد علمت من خلاله أنه مرافق الطفل المسجى بالداخل، إصابته ناجمة عن وقوع أثناء اللعب في مراجيح المتنزه، وهو ينتظر الطبيب المناوب منذ نصف ساعة أو يزيد، وقد أعطاه الممرض الأخضر مسكناً للآلام لحين قدوم المحروس بسلامته..

 

خلال حديثه عن ابنه المصاب تذكرت صديقي سامي الذي جاءهم مرة بابنته الصغيرة تغلي، فأعطاه الممرض ميزان الحرارة ليقيس درجة حرارتها بنفسه، ولأن سامي لا يعرف شيئاً عن آلية استخدام  ذلك الميزان فقد ظن أنها بخير عندما شاهد رقم 37 مطبوع على جداره الزجاجي الخارجي..  ساءت حالتها فانتقل بها لمستشفى خاص عاتبه الطبيب المختص على إهمال حالة ابنته التي وصلت حرارتها لـ 40 وكادت تصاب بخلل في وظائف المخ..

 

دخل الغرفة – عفواً القسم – رجل مهندم بلحية مهذبة تنير وجهه المليح، وملامحه الهادئة تعطي شعوراً بالطمأنينة، لا أعتقد أنه الطبيب فإذا كان الممرض يرتدي الأخضر، فمن المؤكد أن الطبيب يرتدي الأبيض، مرة ثالثة خاب ظني في فراستي، عندما التف حوله جمع من المبعثرين على باب القسم يسألونه كلٌ عن حلٍ لعلته، وكأنه كاهن يوزع صكوك الغفران على المثقلين بالذنوب والآثام، انتظرت حتى هدأ الزحام واستقر به المقام خلف مكتبه..

 

اقتربت منه تسبقني ورقة الدخول، فسألني وهو ينظر إليها لا لوجهي عن مشكلتي، شرعت أكرر ما ذكرته لموظف الاستقبال والممرض الأخضر والبواب وحارس الشرطة، حفظت ما سأقوله عن ظهر قلب، وجاء وقت سرده، استوقفني بعد الجملة الثانية التي تحتوي كلمة “ظهري” قائلاً:

 

- “تعال أشوف وين وجعك بالضبط!”

 

لم أستوعب جيداً.. الغرفة – القسم – ما زال يكتظ بالزوار ومرضاهم، ولم يغلق أحد الباب، وهذا يريد أن يفحصني أو بمعنى آخر يكشف علي ويشخص حالتي في وجودهم على الواقف.. هل يتعامل مع جميع مرضاه بهذه الطريقة؟ ماذا لو كانوا إناثاً؟

 

بآلية واستسلام وقفت أمامه، أعطيته ظهري وهو جالس على كرسيه يضغط على الفقرات الأخيرة حيث المرض، ثم بأطراف أصابع يديه ضغط على جانبيّ حيث موضع الكليتين فيما يشبه الوخز المزدوج، لا أخفيكم سراً أنني (أغير) وقد يصدر عني فعلاً لا إرادياً بشكل تلقائي عندما يقدم أحدهم على هذه الحركة دون انتباه مني، فوجدت يدي تدفع يديه جانباً، وليتها ما فعلت.. فقد انفجر فيّ معاتباً:

 

- “ليش إنت كدا؟ قاعد بأفحصك يا زلمة.. هيك تجرحني؟ شو هادي الأظافر؟ قص أظافرك، مش نظافة هادي”

 

استدرت أستعلم الأمر الجلل الذي جعل ملامحه الهادئة تتكدر هكذا، وحمم الغضب تطفو من كل خلية في وجهه، وحمرة الخجل تكاد تنهش لحم وجهي من نظرات الوجوه المستهجنة حولي:

 

- “عفواً.. شو عملت أنا؟”

 

- “بأظافرك الطويلة جرحتني وأنا بأفحصك.. هيك صح الواحد يتعامل؟”

 

- “بس أفهم عفواً.. كل هادا الزعل من حركة إنت عارف إنها لا إرادية.. طلعت مني عفواً لما نخزتني بجنبي.. بعدين أنا مليش أظافر تجرح”

 

- “وإيش هادول؟!.. خسارة الواحد يعمل لكم حاجة.. خود هادي الورقة اعمل تحليل بول.. وهادي اعمل أشعة..”

 

سألت وابتسامة هادئة تعلو وجهي..

 

- “طيب ممكن أعرف من وين بيعملوا أشعة وتحليل بول؟”

 

أجاب وهو يدوّن بعض الحروف بالإنجليزية على ورقة الدخول وأوراق أخرى، دون أن ينظر:

 

- “اسأل بيدلوك..”

 

تناولت منه الأوراق ومضيت بعدما انتهى الكشف وجلسة العلاج بأسرع مما بدأ، أعتقد أنني أشعر بتحسن كبير الآن، وصحتي أفضل بكثير، بقي أن أجد شخصاً آخر يكتب بعض الطلاسم على ورقة جديدة، أتماثل بعدها للشفاء التام بمجرد أن أحملها..

 

تكاد تخلو المستشفى المركزي الوحيد في المدينة من العاملين، لا أعرف ربما لأننا في منتصف النهار من أوائل الشهر، أو أن الخميس هو السبب، عندما وصلت لمكان عمل الأشعة وجدت مجموعة من أصحاب الزي الأخضر يتجاذبون أطراف الحديث في غرفة صغيرة، بينما بقية الغرف والمكاتب خاوية على عروشها، سألت عن مكان المختبر، قطع أحدهم حديثه عن غلاء أسعار الأضاحي هذا العام وأخبرني أنني قد وصلت..

 

ناولته الأوراق، وتوقعت أني يعطيني مثلها، فلم يفعل، خط بعض الحروف وأعادها لي.. ماذا يعني هذا؟

 

- “هادي شربة (ليكسراي) اشتريها من برا وصوم بكرا الجمعة واشربها المسا وتعال السبت الصبح نعمل لك أشعة.. الصورة ما بتظهر واضحة بدون هادي الشربة”

 

- “طيب وتحليل البول؟”

 

- “لازم تكون صايم قبله”

 

- “صايم الحمد لله..”

 

- “خلاص تعال بعد بكرا السبت الصبح”

 

- “يعني لو الواحد مريض وبيعاني لازم يظل يعاني يومين لو أجا يتعالج يوم الخميس؟”

 

- “مش كدا بس فني المختبر مش موجود”

 

الحمد لله.. أشعر أنني عوفيت تماماً..

 

أيقنت أنني واهم إذ ظننت يوماً أني سأجد طريقاً أحب المستشفيات والعاملين فيها أو تعيدهم لمكانة اعتبارية في نظري، أو أن أقتنع أساساً أن من فيها يقدمون خدمة للعالم والناس، قدرهم أني قرأت، وسمعت، وشاهدت الكثير عن المستشفيات والمرافق الصحية خارج نطاق غزة، عند إجراء مقارنة صغيرة معها على مستوى النظافة أو النظام أو حتى احترام البشر والبني آدميين نجد المرجفين في المدينة يُهرعون بقائمة طويلة من المبررات يزفون، أطنان من ميكانيزم الدفاع المعدة سلفاً على رأسها شماعة الاحتلال والحصار، والأدوية الناقصة، والأجهزة التالفة، والمعدات القليلة، والطاقم العامل غير المؤهل، والبطالة، والمستنكفين، ونقص الغاز والسولار، وارتفاع أسعار لحوم الأضاحي والطماطم، وزيادة عدد حجاج الصين، ونسبة مرضى السكر في الدم، وغلاء الملابس المستوردة في مصر.. وفي ذيل القائمة: “مؤسساتنا صامدة قدمت وتقدم الكثير رغم الصعوبات والتحديات“.

 

خلال حديثي القليل وانتظاري الطويل ومسيرتي العلاجية في المستشفى العام بخان يونس الذي ينهش من راتبي 20 دولار شهرياً تحت بند “تأمين صحي” دون مقابل، لم أتحدث بأي صفة رسمية، ولم أعط نفسي أي حق قانوني ولم أطالب بأي من حقوق المواطن العادي أو الأدنى منها في التعامل أو حسن الاستقبال والإرشاد والتوجيه، على أمل أن أجدها متوفرة سلفاً، حتى وفي حال فقدان كل تلك الحقوق أقلوا أنني سأجد من يتعامل معي إنسانياً.. ومع وضعي الصحي على اعتبار أنني بني آدم أحس وأشعر..

 

جئتهم أعاني وأتألم بعدما أنهكني المرض، وأملي في أياديهم الرحيمة كبير..

 

يا له من يوم حققت فيه رقماً قياسياً من خيبة الأمل.