الخميس 01 يناير 2026 الساعة 07:23 م

مقالات وآراء

فاعتبروا يا أولي الأبصار

حجم الخط

لقد كان العقاب الرباني أسرع مما كان يتوقع اليهود بعد أن استفحلت في قلوبهم الكراهية والبغضاء تجاه بعضهم, والذي تمثل في أن سلط بعضهم على بعض ثم سلط الواحد على نفسه فقال فيهم: " تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يفقهون" وقال: " يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين" , ولم يكتف القرآن بهذا التصوير البليغ لحالة يهود بل جعله سنة كونية يمكن أن تصيب كل من استفحلت في قلوبهم الكراهية والبغضاء تجاه بعضهم , فقال: "فاعتبروا يا أولي الأبصار", فإذا ما غفل أولو الأبصار عن أنفسهم فتسلل إلى قلوبهم الحقد والحسد الذي سكن قلوب يهود فإن مصيرهم لا محالة سيكون كمصيرهم, والدليل على أنه سنة كونية هو عدم بقاء الممالك الإسلامية على ما كانت عليه من تمكين.

 

فقد دب إليها التحلل وآلت إلى التلاشي بعد أن أصابها ما أصاب يهود, فملوك الطوائف في الأندلس, ودولة المماليك في بلاد الشام ومصر, والدولة العباسية من قبل, والخلافة العثمانية من بعد كلها آلت إلى ما آل إليه يهود بني قريظة, فسنن الله لا تحابي أحداً خاصة أولئك الذين حذرهم الله عز وجل فلم يحذروا... فالتمكين له شروط وأسباب؛ فإذا انتفت شروطه وأسبابه فلا يبقى منه شيء, ومن أهم شروطه: الإيمان, والعمل الصالح, وعبادة الله حق عبادته, والذي يأتي في مقدمتها العدل بين الناس حتى في القول " وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى" , ثم عدم التنافس على الدنيا؛ ذلك لأن التنافس فيها وعليها قد أهلك شعوبا وممالك.

 

وليس أدل على ذلك في زماننا ما حاق بالاتحاد السوفييتي الذي تمزق كل ممزق , وكذا بلاد العرب التي تجرأ عليها أعداؤها فأعملوا فيها السكين فمزقوها فلم تعد العراق عراقا, ولم تعد السودان سودانا, لم تعد بلاد الشام هي بلاد الشام , إذن فاعتبروا يا أولي الأبصار!!! والأمر جد وليس بالهزل, فلا يظنن أحد أنه في منجى من أن تصيبه سنن الله في الكبد لا بل وأشد فتكا إذا ما غفل عن أسباب التمكين وشروطه, وهو الذي أكده الله عز وجل في قوله: " وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا" , وبعودة بسيطة إلى ما حاق بالأندلس ندرك أنها ما تلاشت إلا بعد أن دب الخلاف بين بنيها, فتفرد كل واحد منهم بمقاطعة ليتوج نفسه ملكا عليها, وبطائفة يجعل من نفسه لها قائدا وزعيما, ودب فيما بينهم التنازع والتحاسد والتدابر فأفضى كل ذلك إلى حروب وفتن استنزفت من طاقاتهم وأرواحهم ودمائهم ما جعلهم لقمة سائغة لجيش إيزابيلا , فتحول الحال...

 

فأخذ الملوك والقادة يدفعون الجزية للصليبيين بعد أن كانوا يعطونها للمسلمين عن يد وهم صاغرون, ولم يكتف الصليبييون بذلك بل أخذوا يقضمون البلاد قطعة قطعة حتى إذا ما بقيت إلا دولة بني الأحمر انقضوا على رأس مليكها (أبي عبد الله الصغير) فداسوه بأقدامهم دونما نصب ولا تعب... فبكى عند اللحظة الأخيرة التي أخذ يوقع فيها على التنازل عن عرشه, لتصفعه أمه الحرة بكلمات جديرة بأن تكون دستورا لأولي الأبصار إذ قالت: (ابك كالنساء على ملك لم تحافظ عليه كالرجال) , وبذا كانت أسوأ خاتمة للهلال الذي أمام الصليب !! فاعتبروا يا أولي الأبصار , والله عز وجل عندما يذكر بذلك إنما يريد لأمة الإسلام أن تتلافى كل أسباب الهزيمة والتحلل والاندثار وجعله قرآنا يتلى حتى يرث الله الأرض ومن عليها كي لا يغفل عنها الحكام والمحكومون جميعاً , ولم يكن الله ليضيع أجر من أحسن عملا فاعتبروا يا أولي الأبصار.