الإثنين 05 يناير 2026 الساعة 06:16 م

مقالات وآراء

بلاد يسجد الناس على ترابها ويبكون...لا تضيع

حجم الخط

في متابعتي لنشرة الأخبار التي بثتها القناة العبرية الثانية ، أوقفتني الصورة على مشهد يبث من غزة لقافلة شريان الحياة 5 وهم يدخلونها سُجَّداً وفي عيونهم يتزاحم الدمع والعشق الكبير.

المنظر لم يكن اعتيادياً ، والطقوس هذه لم تحدث ولم أشهادها عند معابر الدول ولا على حدودها ، سواء كان ذلك من رجال هجروا أوطناهم التي ولدوا فيها وعادوا إليها بالحنين ، أو من نساء غادرنها ساعة اضطرار .

 

هذه الصورة السريعة في قناعتي لم تعرف (إسرائيل) معناها، ولم تعش مع العبرة منها ولا العظة .

 

ولم تكلف نفسها قراءة رسالتها التي اختزلت مشهد التاريخ مع الفرس في فلسطين ، والروم ، وحملات الصليب التي أدامت على القدس احتلالاً دام الأعوام الطويلة .

 

في درس التاريخ على هذه الأرض المباركة ، يروى أن الغازي يحكمها ويبني عليها مملكته ، ويستقر له المقام فيها ، وينعم بخيرها ، لكن مسلسل التاريخ يضيف في الحلقة الأخيرة أن فارساً تلده الأرض يخرج من حيث لا يحتسبون ، يجمع الشمل ، ويوحد الكلمة ، ويرفع الراية ، ثم يحسم أمره مع الأمة فيعيدها عزيزة دون انحناء .

 

في الحساب المنطقي الذي يستند إليه أرباب السياسة ، يستحيل على عمر أن يعبر إلى جيشه عند أبواب القدس ليستلم مفاتيحها .

 

ومن المعجزة أن يوحد صلاح الدين الأمة في وجه أخطر عدوان عليها فيقلب المعادلة ويهزم إمبراطوريات .

 

وكذلك الحال في عهد الظاهر بيبرس ، كلما سقطت الأمة ارتفع منها رجال يرفعون خسيستها ، فيبنون في ساعة يظن في التغير مستحيلاً وجنوناً .

 

في كتابتنا السياسية أحياناً نضل البوصلة ، ونضع الموازين على قراءة المنطق والحسابات الدقيقة المرتبطة بالأرقام .

فنغفل على الدوام سنة الله في الكون ، ونبعد من خياراتنا صنع الله الذي عايشناه في الصراع الصهيوني في كل حقبه وأيامه، وهنا أذكر على عجل بعض هذه المحطات .

1. تفجير الانتفاضة الأولى والتي جاءت في توقيت كان فيه الناس يعيشون بحبوحة الانفتاح والعمل داخل الكيان الغاصب .

 

وكانت وقتها المخططات الصهيونية قد نجحت في ترسيخ وجودها من خلال القدرة على التعاطي مع حالة المقاومة وحصرها في فئات من الشعب غير كبيرة .

 

حتى كانت أحداث المجزرة في غزة فتدحرج النار كأنها إذن من خطط للثورة .

والحقيقة تقول إن الشعب قد فلتت كوابحه وانطلق من غير تخطيط من أحد .

 

2. مرحلة السلام ، والتطبيع مع الوطن العربي ، وإنجاز اتفاق سياسي تقبله (إسرائيل) بعد القناعة المتولدة من المنظمة أن لا خيار .

 

فعلى إثر ذلك فتح المعاش للناس بعد ضيق حال الانتفاضة ، فكثر المال ، وزادت الفئات المستفيدة ، وسمع الاتهام للمقاوم بأنها تخدم المشروع الصهيوني.

فما هي إلا لمحة في القدس قلبت الموازين وصنعت ما لم تحسبه (إسرائيل) ولا غيرها كما كتبت (الأوراق الإسرائيلية) .

 

3. انتفاضة الأقصى ، صمود الناس ، وحدة المقاومة بعد فرقة ، حجم الإيلام للعدو ، القدرة على الصمود ومن ثم التصميم على المواجهة ، كل ذلك لم يكن متوقعاً حين كنا نشاهد الشباب في رحلات التطبيع ونشاطاته دون ضابط ولا رقيب .

 

4. حرب الفرقان ، حصار غزة ، وصمودها ، مقاومتها ، قدرتها على التحدي ، استبسال أهلها ... والله لم يكن طبيعياً ، ولا منطقياً غير أن التفسير الغيبي هو باعث القراءة والمنطق .

 

في المراحل الأربعة كانت (إسرائيل) بقوة نارها تستطيع حرقنا من غير تردد ، لكن في ما ندركه أن ما نعها لم يكن أرضياً ، ولا نصيراً من العرب ، ولا من الأمم المختلفة التي ساندت ودعمت فناء المقاومة وأهلها .

 

في الحديث حول هذا الموضوع ، قد نضيف حرب لبنان ، وواقع الشرق وتعقيداته ، وتغير توازنات هنا وهناك ، وتدافع مشاريع في المنطقة .

 

لكن في اختصارنا أردنا خلاصة ، أن الشعب الفلسطيني الذي لم يترنح لمقتل أصابه ، خلفه أمة من مليار كانت حاضرة في فلسطين بدمها على الدوام .

 

لذلك إن الصورة المنقولة على الإعلام الصهيوني هي حكاية تدفع باتجاه القادم الأكيد ، الذي وعدت به أحاديث المصطفى عليه الصلاة والسلام عن مصير اليهود في الأرض المباركة .