الإثنين 05 يناير 2026 الساعة 12:54 م

مقالات وآراء

كيف تصنع آلة الطغيان؟

حجم الخط

وصف المؤرخ (سويتون) جنازة القيصر في كتابه (حياة القياصرة الاثني عشر) على النحو التالي: (فلما أعلن عن موعد الجنازة نصبت المحرقة في ميدان مارس (إله الحرب) تجاه منصة الخطابة. ولما تبين أن اليوم كله لن يكفي مرور الناس الذين اصطفوا حاملين قرابينهم صدر قرار بأن يحمل كل من شاء قرابينه إلى ميدان مارس. واكتفى القنصل أنطونيو مارك في رثائه بأن طلب الى أحد المنادين أن يقرأ مرسوم مجلس الشيوخ، الذي أسبغ على قيصر بالإجماع كل التشريفات الإلهية والإنسانية ولم يضف هو إلا كلمات قليلة.

 

وكان البعض يرى حرقه في معبد "جوبيتر"، والآخر في مجلس الشيوخ. وإذا برجلين تمنطق كلاهما بسيف وحمل بيده رمحاً يشعلان فيه النار فجأة بشموع موقدة.

 

ولم يلبث جمهور المشيعين أن كدس حوله الحطب والمقاعد ومنصات القضاة. بعدئذ خلع لاعبو المزامير والممثلون ثياب الاحتفال بالنصر، التي كانوا قد ارتدوها لهذه المناسبة وزجوا بها في النار.

 

إلى جانب هذه المظاهر العامة التي تجلى فيها حزن الجمهور، أدت الجاليات الأجنبية مراسم الحداد كل جالية على حدة حسب طقوسها وبخاصة اليهود الذين ذهبوا إلى حد التجمع حول قبره ليالي متعددة.

 

وبعد أن انتهت الجنازة شُيد له عمود من مرمر بلغ ارتفاعه عشرين قدماً ونقش عليه: (إلى أبي الوطن)، والسؤال المحير والملح الذي يطرح نفسه كيف يقفز البشر الى هذه المنزلة من القداسة في محياهم ومماتهم؟

 

كيف يتحول الإنسان (عملياً) إلى (إله) يملك أقدار الناس في أرزاقهم وتسريحهم من وظائفهم. في حريتهم واعتقالهم متى يشاء، في حياتهم فيدفعهم إلى الإعدام أو ساحات القتال في صورة قرابين بشرية أو سجنهم حتى الموت أو دفعهم إلى الهرب من البلد في موت من نوع جديد.

 

كان تعبير النبي يوسف عليه السلام واضحاً أن فرعون هو عمليا "رب" البلاد (ارجع الى ربك فسأله مابال النسوة اللاتي قطعن أيديهن)، وبالمقابل فإن فرعون هتف بالناس (ماعلمت لكم من إله غيري)، وبالتالي فهو يملك القداسة والحقيقة النهائية المطلقة (ماأريكم إلا ماأرى وماأهديكم إلا سبيل الرشاد).

 

إدراك قوانين التغيير الاجتماعي أهم بما لا يقارن من اكتشاف قوانين الفسيولوجيا أو أطلس المورثات والجينوم البشري. والمشكلة الخطيرة التي واجهها الأنبياء في التاريخ هي المشكلة الاجتماعية، ولعل أخطر مرض يواجه المجتمع هو في كيفية تنظيم نشاطه.

 

في 18 أغسطس من عام 1562 م توفي شاب فرنسي هو (اتيين دي لابواسييه) عن عمر 32 سنة، بعد أن ترك خلفه كتاباً صغيراً بعنوان (العبودية المختارة)، اختفى تحت لجة التاريخ، وكان صديقه الفيلسوف (ميشيل مونتيني)، هو من انتبه الى أهمية النص، ولكن لم يتمكن من نشره لأنه كما قال: (إن فيه حياكة أدق وألطف من أن تخرج الى الجو الخشن الذي اتسم به ذلك العصر الفاسد).

 

كتاب (لابواسييه) يمثل فعلاً (سوبرنوفا) اجتماعية فهذه الظاهرة الكوسمولوجية لها مايشابهها في قوانين الاجتماع. وهكذا فإن أفكار لابواسييه غطست عبر العصور لينشر النص الكامل عام 1835م للمرة الأولى بعد 273 سنة من وفاة صاحبها، ولكن هذا الانفجار المعرفي لم يصل بعد إلى فضاء الثقافة العربية إلا بعد أربعة قرون ونصف مع نهاية القرن العشرين على نحو باهت يكاد لايرى بفعل كثافة قشر الثقافة العربية ومناعتها ضد التغيير وغيابها عن الحضور العالمي. وهو كتاب لم يلاق الرواج حتى الآن ولم ينتبه اليه إلا الآحاد.