أكثر من عشر سنوات وفي مثل هذه الأيام كنا نعيش في معتقل جنيد لدى السلطة الفلسطينية بحجة أننا نمس المصالح العليا للشعب الفلسطيني .
من بين من كان في المعتقل الشيخ جمال منصور ، يوسف السوركجي ، عبد الكريم بني عودة ، أنور حمران ، وغيرهم العشرات ممن قضوا في سبيل الله شهداء .
المعتقل يومها كان التشخيص للحالة الفلسطينية التي نعيش، حماس، الجهاد الإسلامي يسام رجالهم العذاب للموقف والكلمة وأحيانا للرأي .
في النقاش الطويل بيننا وبين القيادات الأمنية كان الحديث يدور عن المستقبل السياسي في ظل حكومة باراك وجهد بيل كلينتون الذي أقسم على قيام الدولة الفلسطينية التي يرجع تأخرها إلى فصائل المقاومة التي لم تقدم الهدنة .
في فواتح عام 1998 أغدقت الدول المانحة أموالها برغم اليقين أن المال مسروق بسبب حجم الفساد الذي وصل مقاسات لم تسجل من قبل .
فلسفة الرئيس عرفات حينها للأوضاع كانت غير مفهومة ، لكن المفيد في هذا المقام حصاد عشرة أعوام من المفاوضات والرعاية الأمريكية والوعود من العالم بإقامة الدولة من غير القدس ، و حق العودة منهي بالتعويض ، والأمن تكفله إسرائيل .
في ما نشهد به للراحل عرفات موقفه من الاتفاق في كامب ديفيد حين الشعور بالورطة ، وعزمه على التحدي برغم التلويح بالعقاب الكبير ، الذي ساهم به العرب بعد الخذلان وعدم النصرة .
في الدراما المتسارعة على الأرض كان شارون الهالك يصنع حبات عرشه ، حين دخل مقتحماً للأقصى ليجيء الرد الفلسطيني على ذلك بالنار من غير تنسيق ولا وترتيب ولا تخطيط .
حينها كرة النار بدأت تكبر وكبر معها في الوطن الحس المنتفض على الظلم فرأينا يومها كيف اختلطت السواعد ، واندمجت الروح في جسد الوطن من غير تمييز ولا محاسبة للإساءة.
في السياق السياسي العام يتشابه الحال اليوم مع ما كان في عام 2000 وما تلته من أعوام كانت فيها ثورة الأقصى .
في ما مضى كان وعد كلينتون واليوم أوباما ، في السابق كانت المقاومة يسميها الراحل عرفات بالزولو واليوم عبثية التابعين للمحاور .
أما الوعود الصهيونية كانت أكبر مما كانت عليه اليوم ، فباراك كان يملك قرار السلام عكس ما يشاهد اليوم من نتنياهو الذي يجاهر الرؤية الصهيونية من غير مواربة .
في الحديث المقارن يطول الاستعراض لكن يمكن لنا إجمال المتغيرات بين الأيام هذه وما سبق بالتالي:
على صعيد فتح والسلطة
1. بعد عودة قيادة فتح من الخارج شعرت أنها تبني مشروعها الخاص ، وشعرت من خلال ذلك أن المحيط كله يعاديها فحين ضربت المقاومة كان الأكبر في التوجه الحفاظ على مصالحها ورؤيتها ، اليوم فتح تختلف فلم يعد المشروع مشروعها بل غدت مستأجرة على واقع لا تملكه يحكمه توجه يمثله فياض هذه الأيام ، في أقل ما يمكن توصيفه أنه مريح لإسرائيل .
2. العقيدة الأمنية برغم سجلها الذي تنتقده المقاومة إلا أن البعد البنائي للثقافة الوطنية الفردية لم يمس ، بل إن الفهم للغير ظلت تحكمه الروابط ، والعلاقات رغم بعض المواقف التي خرجت عن كل مألوف ، وخاصة في ما يتعلق في التنسيق الأمني .
اليوم نجح دايتون في بناء ثقافة الولاء لما هو قائم سياسيا وثقافياً وربط حالة الوجود بالتشبث بذلك لو بالنار .
3. شخص عرفات برغم عدم الاتفاق على منهجه إلا أن اليقين المعروف أن الرجل يملك من الشجاعة التي تأهله الإمساك بالخيوط وقلب الطاولة حين الشعور بالخطر ، وهذا ما تفقده فتح ، ويفتقده جيلها الذي ولد في صراعات البقاء على المكتسبات مهما كلف من ثمن .
على صعيد إسرائيل
أما هذا الصعيد فهو ثابت لا يتغير لديه إلا التكتيك لكن نجمل بذلك فنقول :
1. وضوح الحكومة الصهيونية الحالية التي لا يمكن لها القبول بما قبله باراك يوم كان الأغلبية في الكنيست ، ليتحول المنهج السياسي قناعة الحل بالمال ودولة الاقتصاد .
2. الراحة التي تعيشها إسرائيل بعد تصفية كل مقومات الضغط في الضفة الغربية ، وإسقاط الفصائل في حالة اشتباك على ما تصنعه (إسرائيل) وتنسجه على الأيدي الفلسطينية دون إدراك في أحسن الظروف .
3. تقدم المخططات الصهيونية إلى ما بعد اليقين أن التغيرات الجوهرية على الأرض لا يمكن تجاوزها .
هذا الحديث لا يغفل الطاقات المتجددة في الأمة والتي بات يرى نشاطها في المحيط ، ويكثر معها الحديث في الأوراق الصهيونية في وصف ما تصنعه غزة بفصائلها .
في ميزان التغيرات على كفتي ميزان تكبر مؤشرات السوء التي فاقت ما كان من قبل ، وحين الحديث عن النقيض فترى في الواقع ما يغير مسار التخطيط الصهيوني في الجنوب وغزة وصولاً للعراق .
في الحسابات الدقيقة لا يمكن تفسير الممكن الذي يشابه هبة الأقصى التي كنا فيها في واقع المعتقل الفلسطيني ، واليوم مهما كبرت الغربة قد يسمع صوت الانفجار هذه المرة كبيراً كما قالت صحيفة يديعوت في افتتاحيتها حين تحدثت عن سكون المنطقة الذي يختزن الدمار ، وحينها لن يكون الأمر كسابق ما مضى من الأيام .

