لا تُقاس براعة الجراح بأنه أنهى عملية جراحية معقدة بسرعة خرافية، كما اعتاد جمهور المصفقين لهم، ونشر صورهم في الجرائد بنصف كذب وربع مبالغة، والحديث عن بطولاتهم في الأندية إذا غصها الاحتفال، وطرفت فيها النوادر والأخبار، وسام الناس في مراتع الكذب ألسنتهم بتعبير ابن خلدون. كما لا تقاس أيضا بنجاة المريض من عملية خطيرة؛ فهذه يحسنها الكثيرون من الجراحين العاديين! ولكن في تقديري تقاس براعة الجراح صدقا وعدلا بأمرين؛ الكشف عن الاختلاط (المضاعفات ـ Complication) في الوقت المناسب في المكان المناسب عند المريض الذي لا يوحي بذلك، والأمر الثاني ـ وهو عكس المتوقع تماما ـ ليس بالدخول إلى ساحة العمليات؛ بل العزوف عن ذلك فيتخذ الجراح قراره المصيري أنه لن يمضي في العملية، وأن المريض لا يحتاج لعملية، وعلينا الانتظار..
إنجاز العمليات ليست الأمر الصعب في الجراحة ففي اليوم الواحد تجرى على وجه الأرض ملايين العمليات الجراحية بيد عشرات الآلاف من الجراحين، كما لا تُقاس بأنه أنهاها في جرح صغير وزمن قصير، كما يفعل بعض الناس في التهويل لسمعتهم وأنهم كائنات أسطورية، كما كانت الصحف الألمانية تصف الأطباء: نصف إله في ثوب أبيض. ولكن أصعب الصعوبات في الجراحة هي في الكشف عن الاختلاط ـ المضاعفات في الوقت المناسب والسيطرة عليه، والنجاة بحياة المريض والأخذ بيده إلى شاطئ السلامة.
أذكر هذا من عملي الطويل على مدار عقود في الجراحة، مثل ذلك الشاب في مشفى النماص حين عملنا له عملية زائدة دودية بسيطة لنكتشف لاحقا حالة انسداد معوي تتطلب تداخلا جديدا لفك الالتصاق. ومنها ذلك الشاب الذي أصلحنا له شريان الفخذ في القصيم ـ وكانت الحالة صعبة ـ فبدأ في النزف بعدها مما اضطرنا إلى أخذه لقاعة العمليات من جديد واكتشاف مكان ضعف في الخياطة تحتاج لتقوية. أو تلك التي حصل عندها نزف من عقابيل عملية استئصال رحم مما جعل فريقا كاملا من الجراحين يشارك في إنقاذها، كانت حصة جراح الأوعية مترعة من التحدي الأعظم في إيقاف الأوعية وهي تبصق دما.
حتى الآن لم نتحدث عن البراعة العظمى وهي اتخاذ قرار ألا يجري الجراح أية عملية بل الصلاة والانتظار والمراقبة المتتابعة المكثفة.
جاءني يوم شاب صغير يركب (دبابا) من نوع الموتورسيكلات قد انكسر عنده عظم الظنبوب والشظية، وليس ثمة من نبض في القدم، مع تحول في لون الجلد وبداية برودة القدم، وكلها مؤشرات سيئة لاضطراب دموي في الساق.. وأذكر جيدا ذلك في ساعات السحور فعكفنا على دراسة المريض ونسينا الطعام والشراب فهو شاب صغير عمره 13 سنة والويل لنا إن أخطأنا في التشخيص ورسى الموضوع على بتر ساق الشاب؟ إنها سمعة الطبيب على المحك وحياة أو طرف المريض على المحك؟ بعد دراسة مستفيضة بجهاز الدوبلر والعرق يصب مدرارا وصلنا بتتبع مسار الشريان إلى صوت قوي واضح في منتصف الساق تحت مستوى الكسر مما دفعنا لاتخاذ قرار خطير أن ننتظر ولا نتدخل؟ طبعا في المراكز المتقدمة هناك من وسائل التشخيص ما يريح من كل هذا العناء ولكنها مراكز محدودة لطبقة من الناس محظوظة؟ وبعد ساعات فحصنا المريض فكان الطرف دافئا والنبض رائعا؟ إنها حالات تشنج الأوعية عند صغار السن وفيها التحدي الأكبر.. إذن براعة الجراحين هي ثلاث في ثلاث: عمليات ناجحة تشفي المريض من ألم والعضو من علة، وهي ثانيا كشف الاختلاط ـ المضاعفات بسرعة وضبطها والمعالجة بدون تردد وتأخر، وأخيرا التريث أمام الحالات التي اختلط فيها عمل صالح بآخر سيئا، واتخاذ قرار أن لا جراحة فهي أم الجراحة حقا بدون نصل وملقط ومشرط ومبعد وسكين وخيط وإبرة..
ويقولون أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين..
