أعترف بأنني عاجز عن فهم أو تفسير موقف أحزاب المعارضة المصرية التي قررت الاشتراك في الانتخابات النيابية التي يجري «طبخها» الآن، أتحدث عن المعارضة الحقيقية المشغولة بهمِّ الوطن وصاحبة المصلحة في التغيير والإصلاح السياسي، وليس تلك التي حولت المعارضة إلى متجر للبيع والشراء وعقد الصفقات، وصارت في النهاية أجنحة للحزب الوطني، وأداة لضرب المعارضة الحقيقية وإجهاض مساعيها لتصحيح الأوضاع وإخراج الوطن من أزمته. وفي ذات الوقت بقيت في الساحة لتظل شاهدا على إخراج فيلم «التعددية» الذي يفضي إلى انتخابات يستعرض فيها فيلم «النزاهة»، والباقي بعد ذلك معروف.
إن شئت فقل إن لدينا في مصر الراهنة معارضة أصيلة، وأخرى «تايواني» إذا استخدمنا لغة السوق. وتلك الأخيرة مصطنعة ومغشوشة أو «مضروبة» كما يقولون، وموقف الأخيرة مفهوم، أما الملتبس حقا وغير المفهوم فهو موقف القوى الوطنية الأصيلة، التي أزعم أنها باشتراكها في الانتخابات تقدم هدية ثمينة للنظام تشجعه على التمادي في السياسات التي يتبعها، والتي هي الموضوع الأساسي لمعارضة تلك القوى. وهو ما يضعنا أمام مشهد درامي مسكون بالسخرية المرة. ذلك أن أي متابع للشأن السياسي في مصر يعلم تمام العلم أن نظامنا القائم لا يريد المعارضة أصلا. يشهد بذلك موقف الشرطة التي تسحق المعارضين الذين يخرجون في مظاهرات سلمية يحميها القانون. لكنه مع ذلك يحتملها على مضض في مجلس الشعب، لا لتمثيل المجتمع أو ممارسة الرقابة على الحكومة أو توسيع نطاق المشاركة السياسية، وإنما للتجمل بها أمام العالم الخارجي، والإيحاء بأن قرارات الحكومة وسياساتها مؤيدة من جانب الشعب، وأن مستلزمات الشكل الديمقراطي لم يعد ينقصها شيء.
بكلام آخر، فإن وجود المعارضة في مجلس الشعب الذي تحدد التعليمات العليا حجمه وحدوده، يحولها إلى دمية تلعب بها الحكومة، وإلى «محلل» لتمرير ما تشاء من قوانين تغطي بها سياساتها وتثبت أقدامها.
بسبب ذلك فربما يذكر البعض أنني دعوت قبل عدة أسابيع إلى إلغاء الانتخابات في مصر، واكتفاء الحكومة بتعيين من تشاء في المجالس «الشعبية» للقيام بما يلزم (الفكرة مطبقة في بعض الدول العربية). واقترحت حينذاك توجيه الملايين التي تنفق على إجراء الانتخابات وإزالة آثارها إلى مجالات أخرى أكثر نفعا وجدوى، كانت حجتي التي مازلت مقتنعا بها بأنه لا أمل في انتخابات تزور لتأتي بنفس الحزب وتبقي على نفس الأشخاص الرئيسيين لكي ينفذوا نفس السياسات. وذلك لم يحدث مرة أو اثنتين أو ثلاثا، وإنما يتواصل على مدى نحو ثلاثين عاما. لذلك فقد أعربت عن دهشتي إزاء مطالبة أحزاب المعارضة التي أقصدها بالتغيير، في حين تشارك في الانتخابات لتعزيز الجمود السياسي وتثبيته. وهو ما يعني أحد أمرين، أولهما أن تلك القوى المعارضة ليست جادة فيما تدعو إليه. والثاني أنها فقدت القدرة على النظر والتمييز، بين مشاركة تحقق لها مشروعها الداعي إلى الإصلاح السياسي بمختلف عناوينه ومفرداته، وأخرى لا تخدم سوى استمرار الجمود السياسي بمختلف تجلياته وتداعياته.
حين يكون النظام السياسي في مصر رافضا للتغيير وغير جاد في الإصلاح السياسي، ومصرا على الاستمرار في سياسات داخلية وخارجية ترفضها الجماعة الوطنية، وحين يستمر ذلك النهج نحو ثلاثين عاما، فإن المراهنة على تطوع النظام بإجراء التغيير المنشود تصبح تضييعا للوقت في أحسن فروضها، ونوعا من التدليس والتستر في أسوئها. من ثم فإننا نصبح أمام خيارين لا ثالث لهما، الأول هو ممارسة أكبر قدر من الضغوط الشعبية على السلطة، بما يضطرها إلى الإقدام على إحداث التغيير المطلوب بصورة سلمية. أما الثاني فهو فتح الباب لانفجار طاقة السخط والغضب، بما يستصحبه ذلك من فوضى لا يعلم مداها إلا الله. ولأن الخيار الثاني ينبغي أن يكون مرفوضا، فإن ممارسة الضغوط الشعبية تصبح الحل الذي يتعين أن تلتقي عليه الجماعة الوطنية المصرية، ولا أشك في أن مقاطعة الانتخابات تبعث برسالة قوية في ذلك الاتجاه، قد تحقق الهدف المطلوب إذا تواصلت مع خطوات أخرى مماثلة بما قد ينتهي إلى إحدى نتيجتين، إما أن ينقذ النظام نفسه أو أن ينقذ البلد من النظام.
استهداف حماس «الضفة» إذ يشمل نوابها في «التشريعي»
ياسر الزعاترة
مثير ما جرى لنائب حماس في المجلس التشريعي (عبد الرحمن زيدان)، فقد داهمت قوات أمن السلطة بيته واقتادته لمركز أمني، وذلك بعد أن صادرت الكثير من ممتلكات البيت (الكمبيوترات والأوراق الشخصية)، فيما وقع تفتيش مذل لزوجته وبناته من قبل عناصر نسائية، واحتجز الرجل لساعتين قبل أن يطلق سراحه ويقال له "مثل ما شفت خرّف".
كان نواب التشريعي في حركة حماس هم آخر من بقي من الحركة ممن لم يتعرض للاعتقال، وإن كان بعضهم قد تعرض للتحرش المباشر من قبل الأجهزة، لكن ما جرى لعبد الرحمن زيدان كان ذروة التصعيد الذي يبدو أنه مقدمة لما هو أسوأ.
حدث ذلك بسبب جرأة الرجل في انتقاد التنسيق الأمني بين أجهزة أمن السلطة وقوات الاحتلال، فيما يُذكر له تحديه للقوم، حيث خرج عبر فضائية الجزيرة وروى فصول الاعتداء على بيته وأهله رغم علمه بالثمن الكبير الذي سيدفعه في المحطات التالية، لكن من خبر زنازين الاحتلال والتعذيب، فضلاً عن زنازين السلطة لم يعد يرهبه شيء.
لا يعني ذلك أن نواب الحركة كانوا بمنأىً عن الاستهداف خلال المرحلة الماضية، فقد تعرضوا للكثير منه، لاسيما أبناؤهم وأسرهم، وها هم أبناء الشيخ حامد البيتاوي يُلاحَقون ويعتقلون واحداً إثر الآخر، لا تكاد سجون السلطة تخلو من واحد أو أكثر منهم، الأمر الذي ينطبق على عدد كبير من إخوته النواب.
لا يتعلق الأمر بقرار أمني، بل هي سياسة مدروسة أشرف عليها الجنرال دايتون عندما أنتج ما سماه "الفلسطيني الجديد" الذي لا يرقب في أخيه الفلسطيني إلا ولا ذمة، لاسيما إذا كان من القوى التي تؤمن بالمقاومة وتحاول فتح طريق لها بهذه الوسيلة أو تلك.
هنا ثمة أقوام لم يعد يربطهم بالقضية سوى الرواتب، وإن برروا ذلك بالحفاظ على ما يسمونه "المشروع الوطني" الذي يلخصه رئيس الوزراء ببعض التحسينات في شروط حياة الفلسطيني بدعوى إنشاء الدولة التي لا تعدو حكماً ذاتياً على ما يتركه الجدار من الضفة الغربية (أقل من النصف) يسمى دولة تعيش نزاعاً حدودياً مع جارتها، في صفقة تصفية للقضية لا تخطئها العين. ولا قيمة للقول إن القوم لم ولن يوقعوا على التنازل النهائي، إذ بوسع الصهاينة أن يتعايشوا مع الواقع الجديد دون توقيع ما دام يمنحهم كل ما يريدون على صعيد الأرض والأمن والمياه والاستيطان والقدس (عدم التوقيع ليس مضمونا أيضاً إذا وقع تحسين الشروط بهذا القدر أو ذاك).
ما يعنينا هنا هو هذا التطور في الاستهداف الذي تجاوز التنسيق الأمني مع العدو، وسائر أشكال استهداف العناصر والقادة والمؤسسات ووصل نواب المجلس التشريعي ممن يفترض أن لهم حصانة دستورية، ولكنني شخصياً أسخر دائماً من قضية الحصانة والدستور والمؤسسات وما شابهها كما لو كنا في سويسرا.
الأسوأ من إنتاج هذا "الفلسطيني الجديد" الذي يحمل المسدس والبندقية والهراوة ويوجهها بحسب ما تقتضي الأوامر، هو وجود من يبرر ذلك كله من خلال البحث عن أخطاء في سجل الطرف الآخر (حماس)، لكأن ذلك يغني عنه من الله شيئاً كما قلنا مراراً.
إننا نعيش مرحلة بالغة الغرابة في تاريخ القضية لم يسبق لها مثيل، فحتى مرحلة أوسلو الثانية لم تبلغ هذا المستوى من الانحدار في استهداف المجاهدين والأسرى المحررين ورموز الشعب الفلسطيني.
