تعود الساسة المحسوبون على فتح (عباس) أن يلقوا محاضرات في كبار رجال المال والأعمال والقرار من يهود أمريكا, وفيهم دهاقنة الأيباك, الذين يرسمون السياسة الخارجية لها, ويمثلون اليد الضاغطة على عنق البيت الأبيض والبنتاغون, وأصابعهم على (الزر) الذي تنطلق - بضغطة عليه- ترسانة التدمير لأقوى جيش في العالم, كما أن بين أصابعهم مفاتيح الخزنة الأمريكية, وبهما (القوة والمال) يتحكمون في نظم حاكمة ويوجهون سياساتها, بما يخدم المشروع الصهيوني.
ولقد (استثمر) عباس وجوده في نيويورك ليلقي محاضرةً على (أولئك) ليؤكد شجاعته التي رماه بها أوباما, وليؤكد أنه صاحب الأمر والنهي على الشعب الفلسطيني, وإن انفض من حوله كل أعضاء اللجنة التنفيذية, وكل الفصائل التي تشكل في مجموعها م.ت.ف, إلا من أصحاب المصالح الشخصية من المحسوبين على فتح, والطيبين ممن يسميهم المستقلين, ثم ياسر عبد ربه ونبيل أبو ردينة وصائب عريقات الذين لا يعرفون إلا ( نعم) للسيد الرئيس, بغطاء من أجهزة أمنية نجح دايتون في غسل أدمغتهم من أي أثر لفكرة المقاومة أو التحرير, الذي لم يبق منه إلا اسم بلا مضمون أو معنى (منظمة التحرير ... وحركة التحرير الوطني الفلسطيني) منذ أن تسلم سيادته دفة القيادة بعد اغتيال عرفات, وكان أول قراراته هو القضاء على المقاوم الفتحاوي (كتائب الأقصى) بكل تشعباتها واختلاف قياداتها؛ بالتجويع حيناً, وبنزع سلاحها أو تدجينها لقاء التوقف عن مطاردتها (وطلبها) من قبل الصهاينة أحياناً, فآثروا - إلا قليل منهم- التدجين.
ثم التفرغ لتصفية زملائهم من رجال المقاومة في مختلف الفصائل, وخاصة حماس والجهاد, وأما القليل فكان مصيره الاعتقال أو التصفية الجسدية, وقد طالت أكثر من أربعة آلاف عنصر, حسب تقدير (بلال الحسن) !! يقف عباس ليقول ليهود: أنا صانع السلام, ومن يملك القرار بشرعية يهودية الدولة على أن توافق عليه الكنيست! وأنا المحارب للإرهاب, وأنا الآمر الناهي الذي لا يبالي بمن يقول (لا) من الفلسطينيين, حتى وإن قالها كل الشعب الفلسطيني, ولا يتطلب ذلك إلا قرار (منكم) بتمديد تجميد الاستيطان ( إلى متى...؟ الله أعلم) وهأنا أرسل بوفد فتحاوي أصيل إلى دمشق للالتقاء بمشعل لبحث المصالحة لاستدراج حماس إلى مباركة ما أفعل, وإلا فلن أرفع عن عنقها السيف والكرباج في الضفة!!!
وأنا صاحب القرار في مصير القدس, وأنا الذي يمكنه الوصول إلى إرهابيي الخليل الذين اقترفوا الجريمة الأخيرة ضد يهود و.... وبالتالي فأنا مبعوث العناية الدايتونية الذي ينبغي له إذا قال صدق, وإذا أمر (بالبناء للمجهول) أطاع, وإذا أمر (بالبناء للمعلوم) أطيع !!! بهذه الروح فإن عباس يتحدى نتنياهو أن يوافق الكنيست على اشتراط يهودية الدولة كي تؤدي المفاوضات إلى تسوية القضية الفلسطينية, تسفر له عن دولة؛ وكأنه مالي (إيدو) من ألا توافق الكنيست, لكن علام يعتمد؟ هنا – أيضا- لا يعلم إلا الله وحده!!
وتأتي زيارة عزام لمشعل في هذا السياق كرسالة لنتنياهو أن عباس سيذهب إلى المصالحة مع حماس إذا فشلت هذه المفاوضات, التي لا يمكن أن تستمر إلا بتجميد الاستيطان, وإن هي إلا جلسة حتى يعلن موسى أبو مرزوق أن مسار المصالحة قد أزيلت منه العوائق, فتحرك قطارها, ليتوجه الجميع –فيما بعد- إلى القاهرة ليتم التوقيع على الورقة المصرية, على أن تكون ملزمة للجميع, بما يشكل تهديداً لنتنياهو ولأمريكا معاً, حيث لا تغفل الورقة اعتماد المقاومة كخيار فلسطيني, مما يترتب عليه إطلاق الحريات في الضفة الغربية, وعودة الروح إلى العمل الفصائلي في مختلف جوانبه ؛ (السياسي والاقتصادي والدعوي والمؤسساتي والنقابي والفكري, والمقاومة) مما يجعل (إسرائيل) وأمريكا أمام خيارين,
أولهما: أن تذعنا لمطلب عباس, فتجمد الاستيطان وتنطلق عجلة المفاوضات التي ستطحن المقاومة, وتسحق المصالحة للأبد , ليذهب الجميع إلى حرب ضروس على غزة, لتعيدها إلى بيت طاعة المفاوضات.
وأما الثاني: فهو تعنت نتنياهو ومن خلفه المستوطنون ويشرعون في بناء المستوطنات بجنون محموم, ثم يحاصر عباس وفريقه في المقاطعة, ليلحقوا بعرفات, ولتقطع المساعدات والمنح ودعم مشاريع (سلام) الاستثمارية التي يروج لنجاحها, ولتدخل المنطقة في دائرة حرب أهلية شرسة بين كتائب دايتون وكتائب المقاومة, وفي مقدمتها كتائب الأقصى؛ بما يشكل التحدي الأخير لعباس ونتنياهو معاً.

