نعم ... (من لم يمت بالسيف مات بغيره... تعددت الأسباب والموت واحد ) ولكن ألف باء في العقائد هو الأخذ بالأسباب للوصول إلى الغايات وتحقيق الأهداف ، كما أن ألف باء النجاح هو التوقف على أسباب الفشل والإخفاق لتلافيها ، والأسباب ليست أمرا غيبيا ولا حتى ظنيا ، بل من السهل معرفتها وتوفيرها للنجاح, وتلافيها حتى لا نقع فيما يترتب عليها من مصائب وكوارث, وإلا لما قال لنا النبي الأكرم ( أعقل وتوكل ) ولما خطط للهجرة ، وأعد واستعد, ولما أمرنا الخالق جل في علاه ( وأعدوا ) وهو ما اتخذته أعظم جماعة إسلامية على الأرض منذ أن انطلقت كفكرة على لسان مؤسسها ومرشدها حسن البنا رحمه الله ، وأعتذر إن كنت قد أطلت فيما ظننت أنه لزوم ما يلزم .... لأقول : مات حسام ... شاب في أوائل العقد الثالث من عمره ... نعم مريض ..
ومن أسرة توارث أولادها ( ذكورا وإناثا ) مرضا فاتكا هو ( الثلاسيميا ) وبسببه وارى والداه العديد من إخوته وأخواته الثرى ، وهم بعد في سن الطفولة أو الصبا ، إلا حسام وشقيقه اللذين بلغا سن الشباب بجسديهما المعلولين ... إلى أن كان يوم السبت .. توعك حسام .. حمله أبوه إلى مستشفى النجار .. الذي حوله بدوره إلى المستشفى الأوروبي عند الثامنة والنصف صباحا ، أجرى له أطباء الاستقبال الفحوص الأولية ... أمروا بإدخاله... بحثوا له عن سرير شاغر فلم يجدوا... كان الجواب ( فش عندنا وسع ... )
انتظر حسام وأبوه ساعة ساعتين ثلاث .... المرض يشتد على حسام ... وأطباء الاستقبال انشغلوا عنه بغيره ، جاءت التحاليل على عجل .. فالحالة ( urgent) زاغت نظرات الحاج عادل ... تتصاعد أنفاس حسام وتتلاحق ... يزرق وجهه ... والجواب هو الجواب .. فش عندنا وسع ... يصرخ الوالد ب (الله أكبر) ... ولدي يموت ، يتعاطف معه بعض الموظفين ... فينصحونه بالذهاب إلى مدير المستشفى .. يدخل عليه متوسلا ، ثم صاخبا ، قال كلاما مجنونا .. شتم حتى الشيخ أحمد ياسين ، ابني يموت ...
تبكي بعض الممرضات .. فش عندنا وسع ..تمضي الساعات ثقيلة ثقيلة .. بينما أنفاس حسام تتصاعد ... يعود والده للصراخ ، وتنتابه نوبة من الهستيريا .. لقد سبق حسام حوالي سبعة من اخوته وأخواته ، حتى عشعش الحزن في صدر الحاج عادل ، وجعل من دمعته أقرب إلى صدره من عينيه .. ولكن الوضع مع حسام يختلف ، فحسام – وعلى رأيه – هو الذي ينقط قطرات الحياة في حلق والديه ، لأنه يعمل على بند البطالة مقابل 900 شيكل شهريا ... أراق الحاج مياه وجهه ، واستهلك غدد دمعه ، حتى حصل على تلك الوظيفة !!!
حسام يموت يا ناس ، صرخ أبوه حتى وصل إلى النطق بكلمة الكفر وهو المشهود له بملازمة المسجد!!! وعدم إيذاء الجار ، والعفة منذ أن سكن في رفح أواسط الستينيات ..
مضت ساعات ثلاث أخرى .. والجواب هو الجواب ( فش عندنا وسع ) ... وبعد ما يزيد على الخمس ساعات ويقل عن الست بقليل فاضت روح حسام .. فهدأت ثائرة الحاج عادل ، ليتحول إلى كومة من الأحزان ، كما تحولت عيناه إلى خطين منسابين من الدموع .... وضع رأسه بين يديه ( وهات يا بكا ) ليبدأ الحديث عن الإهمال الطبي ، وعن المحسوبية ، وجهل الأطباء ، وموت الضمائر .... ويبدأ الغمز واللمز والطعن ، ولا حديث غير هذا في سرادق العزاء ، جلست أستمع لرواية الحاج عادل الباكي ، لم يفلح صمتي ولا دعوته إلى الرجوع إلى الله في أن أخفف من لسعات النظرات التي تلسعني من كل الجالسين .. وأشفقت على من صاحبني إلى هناك ... والكل يطلب إجراء تحقيق ، والكل ساخط ..
هناك أسماء تتردد على ألسنة الحضور ، وهناك قصص مشابهة أودت نفس الأسباب بحياة مرضى مثل حسام... رمى بعض الحضور بعض الأسماء بالجهل أو الأنانية مثل من لم يأت عن طريق عيادة فلان الخارجية .. وحديث آخر عن الإهمال .. والعجز ... والتعقيم ... و ..... حاولت أن أشرح .. ولكن ضاع صوتي رغم محاولاتي أن يكون مسمعا ... فلجأت إلى الكتابة بعد أن خرجت من السرادق .. فهل لك يا أخي باسم أن تجيب على أسئلة الحاج عادل ، وتقطع الطريق أمام الأسباب التي لم يتجنبها الأطباء فوصل الموت إلى حسام ، مع إيماني بأن لكل أجلٍ كتاباً, على أن يؤخذ بالأسباب ... خاصة وأننا نعلم بأن السباح ( المنقذ ) إن لم يبادر لإنقاذ من يوشك على الغرق كان سببا في غرقه؛ وعليه الدية .....


