في كل صباح تقف الحقيقة على الأبواب تدق فاتحة حكاية وطن ما زال يعيش ظلم الاحتلال وبطشه من غير نصرة ولا غضبة من الأعراب وجيوشهم .
في حكاية الوطن الحزينة يقفز الجرح من رسم الحروف إلى الوجوه المعذبة فترى طفلةً على أعتاب قبر والدها تغني جرحها كأنها صوت البكاء على أفول القمر .
وفي المكان يمسك الموت أشلاء أم فتتها صاروخ وعلى صدرها المبتور يرضع وليد الليل يقاتل كي تبقيه الحياة على متنها .
تقلب في وطني الرواية فترى في لوحاتها غمامة حمراء لونها وهج الدم المتطاير عبر الصدى يسأل الله الخلاص .
في العالم الحديث تغيب معاني الإنسانية عن البشرية الجديدة ، ويستبدلها أربابها بالوفاء ... لقطة ، أو لكلب ، وإن أريد العطف على البشر بنو للأموات في عالم القهر تمثالاً يصفقون له في ساعة برد تعبيراً عن الحب القارس .
في المعادلة هذه نفهم من الغرب علة الصمت الذي يعود إلى قلب التاريخ يوم كان المغول والتتار والفرس والرومان ينسجون في أحلامهم سرقة التاريخ وهزيمة شمس العرب فهو الثأر الذي يداعب أحلامهم تصنعه (إسرائيل) اليوم .
في معضلة الفهم نعيش مع أرتال من الجنود العرب بسلاحهم وأحذيتهم الملمعة المنمقة كأنها معجزة النظافة وهم يتفننون في استعراض ميلاد الملك أو الأمير أو زواج ابنة غفير من سفير .
ترى في أيامهم البيضاء هذه سكر الحاكم مع طائرات ، ونفاثات ، وعربات ، وقاذفات ، وأطنان من النياشين المعلقة على صدر جلاد أبدع قمع شعبه و تآمر على أمته ونسي في عتمة ليله دعوة مقهور تعلق بأستار الكعبة يسأل النصرة .
في حياة المقهورين غير الوجع والبكاء غضب لا يفارق القلوب المتعبة ... يكبر كوليد يفهم مع أيامه الحياة ... يدرسها ، وحين الاختبار يكون طبيب المكان الذي يعمل مبضعه في بطن الأذية و الورم .
في رحلة فلسطين مع الاحتلال ترجمة لعجز يجيب على دق القهر ، وتفصيل يحيل جندي العرب إلى أضحوكة الفتية وهم يثأرون لذلة ترى في عيون أشباه الكبار وسلاحهم .
أبو أنس ... نضال زلوم : شاب ربته المساجد تنقل بين محاريبها وحلقات تحفيظ القرآن فيها ، عاش ليقلب المعادلة و يكبر مع الغضب العابر إليه عبر الأنين .
يتابع حديث الجهاد يفهم العجز ويدرك أن مفتاح العزة سيف تقلده التاريخ منذ بعثة محمد عليه السلام .
التحق منذ صغره في تشكيلات حركة الجهاد الإسلامي فكان من غير منازع رائدها ، عرفته رام الله من خلال إبداعاته المقاومة بين الملوتوف ورسم الحجارة على وجه البغاة كأنه وحي الأبابيل وصخورها المسومة .
طال به المسير المقارع وأتعبه طول المسار إلى الجنة التي يشتاق ، حتى وجد ضالته في حمل سكينه والذهاب إلى القدس وبعد صلاة في مسجدها والدعاء بأن يرزقه الله الشهادة ومضى .
مع الهيعات والصيحات سمعت عشيقته المذهبة قبة القلوب (قبة الصخرة ) صيحة الله أكبر وهو يجندل معها في المكان ثلاثة من الجنود لتعالجه رصاصات تستقر في جسده الذي انتظر لحظة لقاء الرحمن .
أقدار الله أجلت رحلة الشوق لتكتب له الحياة ، وعيش الأسر مع إخوانه الذين سبقوا ، فتنقل بين السجون داعيةً ومعالماً وحبيباً لكل من عرفه .
نسج في سجنه لبنة الجماعة الإسلامية مع حماس ، وعاش الوحدة مع فصائل العمل الوطني ، أحبه صلاح شحادة ، ودعا له الإمام ياسين ، وكبرت في أزقة الأسر أعوامه التي زادت عن العشرين .
في كل سجن نلتقيه نجده صابراً على البلاء كبيراً ، لا تفت من عضده سلاسل السجان طول المحنة.
بل وجدناه يرد على اليأس من خلال جهد الكتابة ، والدراسة ، فألف في سجنه وقاد ، حتى إن رأيته وهو يطوي أيام عمره التي وصل فيها اليوم النيف والأربعين ، إلا أن الشباب لا يغادر روحه بل تسابق همته أغنية النجوم .
في حكاية نضال عجيبة روتها والدته وهي تحكي من الذكريات معالم الإيثار الذي ترك من أجله العمل ، ليقدمه لشاب يراه أكثر حاجة ً منه ، بل أضاف عليها راتبه الأول الذي كان من حظ أسرة فقيرة كانت تحتاج بعض الدراهم لتتقوى بها على صعب الأيام .
أصحابه وفي حديثهم عن سبيل جهاده كان يصر على نقده أن يكون وليد عرقه ، حتى أعجز من حوله السباق ، وبز أقرانه التنافس .
نضال واحد من طائفة تسكن أكناف المسجد الأقصى الذي تربي الصلاة فيه و تبني النفوس ، و تكونها ، لترسو معها على ميلاد رجال لا يهزمهم موت ولا تغلبهم زينة حياة ، حتى يلقوا الله أحياء, اللون لون الدم والريح ريح المسك ... وفي الختام سلام على من رفع في وجه الظلم حذاءه وما سكن .


