الأربعاء 04 فبراير 2026 الساعة 04:30 م

مقالات وآراء

هذا ما ستعطيه (إسرائيل) وسيقبله العرب

حجم الخط

يتنافس أصحاب الأقلام الصفراء في امتداح التوجه العربي إلى المفاوضات المباشرة بعد أن كان عدم الذهاب إليها وطنية وبطولة ، ورد مناسب على العنجهية الصهيونية التي لم تر مبادرات العرب والاتفاقات الموقعة إلا من خلال عقيدة السيطرة والإلغاء.

في متابعة هذه الأقلام تنوعت خلفية المدح لقرار التفاوض من خلال مبررات انقسمت بين تمكين أوباما وتوجهاته (الصادقة) نحو السلام ، وفرملة واجبة لفكر التشدد والتطرف الذي يخشى الكثير منه بعد الانسحاب الأمريكي من العراق ، والأهم بعد ذلك قلب الطاولة على محور الممانعة ونفوذ تركيا وإيران .

الأقلام هذه لم تغفل خشيتها من فشل عملية السلام، والذي سيؤسس برأيها إلى انفجار ما في المنطقة على شاكلة انتفاضة الأقصى، والتي جاءت بعد فشل كامب ديفيد .

ثم حرب غزة والتي ولدت من رحم أنابولس ، وقبلها حرب لبنان التي كانت وليدة الدفع المجتمعي والعاطفي للمقاومة بسبب فشل خيارات السلام مع سورية .

في التوصيف الرسمي للعرب عن المنطقة يغيب الفهم للمنهجية الأمريكية في حل الصراع القائمة على شروط (إسرائيل) .

التغيب المقصود للفهم كانت ثمرته ما تم من غطاء عربي لتصفية القضية الفلسطينية في أشد ظروفها خطورة ، والتي تأتي في قمة الدعم الرئاسية عشية استئناف المفاوضات في واشنطن تكملة للتيه العربي التابع و المسحور في أحسن ظروفه .

في كتابتنا حول هذا الموضوع تردد مني من العبارات ما يوحي بأن الفلسطيني يتجه إلى توقيع صيغة صهيونية بورق أمريكي يراد لنا من خلالها إنهاء ملف الصراع لنكون في وطننا هامش ينتهي مع الزمن .

في التجربة الفلسطينية مع الإدارة الأمريكية ومنذ عهد كلينتون ، وبوش الأب والابن ، ظلت خطوات الرعاية الأمريكية محدودة الخطوات غير الضغط الرئيس على الفلسطيني من خلال الخديعة وبيع الوهم ، وهذا ما جرى تماماً في سلسلة الاتفاقات التي أشرف عليها كلينتون ، ثم ما تبعه من وعود الدولة العتيدة التي دعا إليها بوش.

في مبرر التعاطي من جديد مع الجهد الأمريكي إدعاء بأن تحولاً جوهرياً يقوده فريق أوباما يرى الحل في فلسطين صمام أمان للمخطط الأمريكي في المنطقة .

قد يكون شق من الحديث صحيح وهو في الانعكاس على الولايات المتحدة ، أما التوجه الأمريكي الجديد فلا حقيقة له غير جهد يؤمن بفرض تسكين في المنطقة لعلاج الملفات المتفجرة في وجهه.

صدق الإدعاء الذي نذهب إليه تؤكده مؤشرات تم مشاهدتها في مسار الشهور السبع الماضية والتي يمكن تلخيصها في التالي:

1. فشل المفاوضات غير المباشرة في تحديد أي من المعاني التي انطلقت من أجلها، لنجد أن ما يزيد عن عشرة لقاءات من خلال ميتشل ومساعديه لم تسفر إلا عن صفر كبير كما قال أحد قيادات السلطة .

2. تآمر أمريكي صهيوني من خلال الاتفاق على منهجية سرية تغض الطرف عن الاستيطان، الذي ينمو في الضفة الغربية والقدس كالعادة لكن بصمت .

3. تبني وجهة النظر الإسرائيلية في ملفات اللاجئين والقدس والمستوطنات ، هذا ما تم تأكيده على لسان كلينتون في أكثر من محفل وأكثر من مناسبة .

4. التراجع الأمريكي عن رؤية الحل التي قدمت على شكل ضمانات للسلطة والتي فهم منها مساندة دولة على حدود حزيران 67 .

الأخطر في كل ذلك المنهجية التي تحكم العلاقة مع (إسرائيل) والقائمة على أن الوجود الصهيوني في فلسطين استراتيجي تحتاجه أمريكا، وأن السلوك الضاغط على (إسرائيل) لا يقوى عليه في الولايات المتحدة أحد لاعتبارات كثيرة أهمها مدى السيطرة الصهيونية على المؤسسة الأمريكية من خلال لوبيها المتحكم .

في ما كشفته الأوراق الإسرائيلية في الأمس من تحركات يقوم بها مريدور ومولخو مع الولايات المتحدة، وأطراف عربية تقضي بوقف الاستيطان في المستعمرات العشوائية، مع تكثيف وبناء في ما يتوقع بقاؤه بعد الاتفاق على الحدود ، يصب ذلك في الفكرة التي أردنا الوصول إليها .

حديث الاتفاق على الحدود المقرون بالأمن ابتدر نتنياهو الحديث عنه في تصريح صحفي الأسبوع الماضي حين عاد إلى عزف مبررات الرفض حين لمز بضعف الشريك وقدرته على حفظ أرض لن تسيطر عليها حماس .

نتنياهو في التصريح هذا أراد القفز إلى نتائج أرادها لتسهيل تمرير رؤيته للسلام تقوم على التالي :

1. فتح علاقات التطبيع مع العرب كمقدمة لحل يرى بأن مصر مسؤولة عن غزة والأمن فيها مع الحدود ، والأردن صاحبة السيادة في الضفة مع دور أمني على جنبات الأغوار .

2. محاولة خلق نموذج اقتصادي على شكل مناطق صناعية يدعمها العرب، وتديرها العقول الإسرائيلية مع شراكة أوروبية محتملة .

3. ترتيب وتشكيل للوجود الفلسطيني بما يتناسب مع المصالح الصهيونية، والتي ترى في الديمغرافية العربية خطراً على وجودها المستقبلي، لذلك فإن حلول المستقبل ستناقش التعويض لا العودة .

4. ترتيب خارطة جغرافية واسعة تغطي 60 % من أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة التي تشكل 22% من أراضي فلسطين التاريخية ، بحيث سيسوِّق هذا الكانتون على أنه دولة الحل النهائي .

النقاط هذه يدركها المفاوض الفلسطيني ، ويعلم أن ملخص حراكه لا يتعدى النتائج هذه، ومع ذلك جاءت الموافقة الممهورة بالدعم العربي المتهم .

في الحديث عن الإدراك معضلة تعيشها منظمة التحرير التي تصر على المقامرة في مجرب لم يختمر ، بل إن ما سنشاهده في زمن المفاوضات حتمية القبول العربي لكل عرض أمريكي (إسرائيلي) سقفه ما سبق من نقاط أربعة .

لذلك سيكون المستقبل كما نراه قاتما على القضية الفلسطينية ، التي تحتاج إلى تصحيح بوصلة الوجهة من الخارج إلى الداخل الذي يشتاق وحدة، ويتمنى صموداً ليعيد للمواجهة أصالتها الضائعة.