كنت أتابع بحزن شديد مجريات الانحدار المدروس من قبل منظمة التحرير الفلسطينية بخصوص الشروع في المفاوضات المباشرة مع الاحتلال "الإسرائيلي"، لقد مضت ساعات وأيام وشهور وسنوات وخرقوا آذاننا برفض مبدأ المفاوضات مع الاحتلال، خاصة في ظل عمليات التهويد المبرمج الذي تمارسه سلطات الاحتلال، ومع استمرار غول الاستيطان في ابتلاع الأرض الفلسطينية، ولكن سرعان ما تبين أن تلك التصريحات كانت تصريحات كرتونية تفوح منها رائحة نتنة، رائحة تدلل بوضوح على كذب هؤلاء على أبناء شعبهم المغلوب على أمره..
لا أحد يستطيع من الفصائل الفلسطينية المنضوية تحت لواء منظمة التحرير الفلسطينية الهروب من هذه الجريمة التي هي بمثابة خنجر مسموم يطعن ظهر الشعب الفلسطيني، حيث يأبى هؤلاء إلا الاصطفاف إلى جانب الاحتلال لمحاولة إنقاذه من العزلة السياسية التي يمر بها لاسيما في هذا الوقت..
بكل بجاحة يضحكون على الشعب الفلسطيني ويدوسون كرامته بأقدامهم ويضعون الملح على جرحه الذي مازال ينزف، لقد أكد التاريخ من جديد أنهم عبارة عن أحجار من الشطرنج تتحرك بأيادٍ خارجية لا تمت للانتماء للقضية بصلة..
كانت دعوات متلازمة ومتتابعة للشروع في تلك المفاوضات من قبل أوباما وكلينتون وكراولي وميتشيل ونتنياهو، وللأسف فإن هؤلاء - الذين يقودون تلك الجريمة – يثبتون من جديد أنها تمر بما يشبه الحلاّبة ويساقون إلى تلك المفاوضات سوقا!..
إننا نعتبر أن أي نوع من أنواع المفاوضات مع الاحتلال هو ممارسات هزلية تضر بالشعب الفلسطيني ومصالحه وثوابته ومقاومته الباسلة، وإننا نعرب عن كامل استغرابنا من الإصرار الفتحاوي بالخوص فيها نحو المجهول، في وقت يرفض فيه هؤلاء مد يدهم للمصالحة الفلسطينية؟!.
لقد أصدر قادة فتح وقادة الشعبية وغيرها من الفصائل المنضوية تحت لواء منظمة التحرير الفلسطينية أصدروا تصريحات ينددوا بها بالمفاوضات مع الاحتلال، ثم تراجعت تلك التنديدات بوضع شروط للمفاوضات كوقف الاستيطان ثم تلاشت تلك التصريحات وتبدلت إلى مطالبات بالدخول في المفاوضات المباشرة مع الاحتلال "الإسرائيلي"، والسؤال الذي نوجه إلى هؤلاء هو: ما الذي تغير يا سادة؟ وما الذي غيّر مواقفكم تجاه تلك الجريمة النكراء؟!.
هذه المفاوضات تأتي في وقت يشتد فيه الحصار الظالم على قطاع غزة، وينقطع أكثر التيار الكهربائي على القطاع، ويغرق في ظلام دامس، هذه المفاوضات تأتي في وقت يتعرض المسجد الأقصى المبارك ومدينة القدس المحتلة إلى مرحلة تهويد شرسة ومرحلة تتوالد فيها المستوطنات حتى تكاد القدس يهودية من كثرة الاستيطان، هذه المفاوضات تأتي في وقت يتعرض فيه الاحتلال "الإسرائيلي" إلى عزلة دولية جرّاء جرائمه المتواصلة بحق الإنسانية والتي كان آخرها الجريمة الدولية التي ارتكبتها البحرية "الإسرائيلية" بحق المتضامنين على متن سفن أسطول الحرية في عرض المياه الإقليمية.
لا يمكن بأي حال من الأحوال بقبول ذلك التضليل والخداع الجلي للشارع الفلسطيني، وإننا نعتبر أن أي نتائج قد تخرج منها تلك المفاوضات هي نتائج غير ملزمة للشعب الفلسطيني، وأن لا أحد مفوّض بالخوف في المتاهات المظلمة، وأن مصير الشعب الفلسطيني لا يمكن أن يكون في يد أناس غير مؤتمنين عليه أبدا.
ولا يختلف اثنان على أن تلك المفاوضات هي استجابة صريحة للضغوط الأمريكية التي تصب في مصلحة الاحتلال "الإسرائيلي" وليس غيره، ويُجمع أبناء شعبنا الفلسطيني على أن هذه المفاوضات تعتبر تفريطا بالحقوق والثوابت، وأنها تأتي في إطار سياسة التنازل المجانية للاحتلال المجرم.
