اعترف عباس أن ضغوطاً غير مسبوقة تمارس عليه ليذهب إلى المفاوضات المباشرة, وعلى هذا فإن للشعب الفلسطيني أن يسأل عن ماهية هذه الضغوط. هناك احتمالان: الأول مالية؛ وذلك بأن تقطع عن عباس المساعدات, فإن كان كذلك فليس له أن يرضخ, فالشعب الفلسطيني منذ أن طرد من بلاده وهو متمسك بحقه في العودة, ولم يثنه الجوع ولا أن يلبس الأسمال البالية, ومع ذلك لم تنقطع عنه المساعدات, من الكويكرز إلى الأونروا إلى قوافل المساعدات من شرق الدنيا وغربها, لأن العالم –حتى المجرمين منه- لا يتحمل مسؤولية شعب يموت جوعاً وعريَّاً, ولنا في الشعب الهاييتي والأفغاني والصومالي والعراقي والبوسني خير مثل.
فما أن يصاب بلد بكارثة حتى تخف المؤسسات الدولية من مثل الصليب الأحمر و الـ I.H.H لنجدته ، وهو ما نراه -اليوم- في غزة, إلى جانب أن شعبنا لديه من إرادة الحياة, وتحدي القهر والإفناء بالصبر ما جعله يستعصي على الاندثار ويرغمه على التنازل, مع أنه مر بظروف أشد قسوةً وإيلاماً, ومرت عليه أيام أسود من الليل البهيم , جاع فيها إلا مما يسد الرمق, وشرب مياه المجاري, وأكل لحوم القطط, وقد تكرر ذلك على مدى ستين سنة, ولكنه لم يرضخ ولم يستكن, ولشعبنا القدرة على التكيف مع شظف العيش والحصار مهما كان محكماً وظالماً, وقد ضربت غزة أروع مثال في الصمود والثبات رغم ما مرت فيه من عناء, أكل الشعب فيه الدقيق الذي لا يصلح للمواشي, وذهب أساتذة جامعيون إلى جامعاتهم وهم أشباه حفاة, بعد أن اهترأت أحذيتهم ولا بديل, كما انعدمت اللحوم والدواجن والأسماك وحتى الأدوية وحليب الأطفال, ولكنه ظل مرفوع الرأس عالي الجبين, ولم يتنازل, فاستثار ذلك مشاعر الإنسانية, فجاءوا زحوفاً من كل أرجاء المعمورة لكسره, جاءوا من أندونيسيا وماليزيا وأمريكا وبريطانيا..
ولا يمكن أن ننسى تركيا... جاءوا لكسر الحصار عن غزة فدخلوها من فوق الأرض ومن تحتها ومن البحر, يحملون شعارات الحرية, ولعل صوت غزة الأبي قد أسمع الدنيا عندما قالت : لا نريد مساعدات ولا إعانات أو صدقات, بل نريد كسر الحصار لإدخال المواد الأولية, إذ لا يرضى شعبنا أن يظل عالة فهو غير كسول ولا غبي, بل هو مبدع كريم, مما مزق القناع عن وجه (إسرائيل) القبيح, فجللها الخزي بعد سلسلة من الحماقات والنزق الذميم؛ فطأطأت...
إذن فلن يكون قطع المساعدات (الضغوط) إلا ورقة قوية بيد عباس إن استمسك بثوابت الشعب الفلسطيني, وما رضخ خشية أن يقطعوها عن سلطته, وإلا فالثمن هو القضية, كل القضية ومعها السلطة؛ أي إذا تنازل عباس عن ثوابته حفاظا على المساعدات, ذهبت الثوابت وذهبت المساعدات, وإن استمسك بالثوابت فقد حافظ على ما بقي من القضية وتدفقت المساعدات! وفي حال قطعها لن يكون حال الشعب الفلسطيني بأسوأ من حاله في مخيمات اللجوء في لبنان مثلاً, فهل دعا ذلك شعبنا –هناك- لأن يتنازل عن حقه في العودة, ويقبل بالتوطين حتى في البلاد الإسكندنافية؟! إن عباس أدرى !!
الاحتمال الثاني: أن تكون الضغوط عسكرية وأمنية, قد تعصف برجالات السلطة وراء المجهول, حيث النفي أو السجن أو الاغتيال, ومن ثم عاصفة هوجاء من الاستيطان, وضم المزيد من المدن والقرى للكيان, وتدمير مقدسات وتجريف مزارع وتدمير بيوت!!!
فإن كان كذلك, فما الجديد إلا ما يمكن أن تمارسه (إسرائيل) على رجالات السلطة؟ فلقد سبق لها أن جرفت وهدمت وسجنت وابتلعت وضمت واغتالت من خيرة رجال المقاومة وحتى السلطة, وقد سحقت كرامة بعض أزلامها؛ بفضح مباذلهم وانحرافاتهم وشذوذهم, وهو أمر دونه تفتيت الأجساد بالصواريخ والفسفور الأبيض واليورانيوم، أو حتى القنابل النووية؛ فمن المؤكد أن ميتة عرفات أعز وأشرف ملايين المرات من ظهور رفيق الحسيني عارياً من كل شرف وكرامة وناموس, ولا يمكن أن يحقق الساقطون الفاسدون العزة لوطن ولا لمواطن...
ففاقد الشيء لا يعطيه.. إذن فلتحل السلطة, ولتذهب إلى قعر الجحيم, إن كان ثمن بقائها هو تصفية القضية على الشكل الذي يتمناه الصهاينة, ولينظر عباس إلى مستقبله ومستقبل أبنائه ومستقبل الشعب الفلسطيني حالتئذ؛ فلن يزيد عن مجموعات من (الجوييم) يسخرهم حاخام, كما يسخر قطيعا من الدواب أو البهائم, لفلاحة أرضه وفرد السماد تحت أشجاره الباسقات, أو تسليك خطوط المجاري, أو نضح آبارها, حتى وإن أغدق على بعضهم فسمح له أن يملك قصراً هنا أو قصراً هناك, ويدير وكالة هنا ووكالة هناك, وأما الباقون, وهم الغالب الأعم, فهم جوييم! ومن خرج عن طاعة الحاخام فإلى المحارق أو النفي إلى ما وراء الشمس!
إذن عن أي ضغوط يتحدث عباس؟ ويا ترى بماذا أجاب؟ وهنا, يجب أن يعلم بأن القول الفصل هو في كلمات قالها شاعر, وغنتها فرقة أغاني العاشقين بصوت حسين منذر: اشهد يا عالم علينا وعلى بيروت*** اشهد ع الحرب الشعبية*** واللي ما يشوف من الغربال يا بيروت***أعمى بعيون أمريكية.


