الإثنين 05 يناير 2026 الساعة 02:42 ص

مقالات وآراء

جواز عتريس من فؤادة باطل

حجم الخط

من أروع ما قدمت السينما المصرية فيلم "شيء من الخوف" والذي يطرح قضية هي من أهم قضايا الحريات, والتي تعتبر أهم مظهر من مظاهر التكريم الرباني للإنسان، وتأتي حرية الاختيار في رأسها, لما لها من إعمال العقل, لاختيار الأنسب والأصلح دون إكراه حتى ولو (بالمعنى) وقد تقرر أن ما أخذ بسيف الحياء فهو حرام, ولقد جعلت الشرائع من الحرية قيمة تعلو على كل قيمة, وتتصدر الدين الإسلامي والديانات الأخرى كل القوانين في التأكيد على الحريات كحقوق ثابتة لا يجوز المساس بها فضلاً عن الاعتداء عليها أو سلبها.

 

ولقد نجح طاقم الفيلم بدءاً من المؤلف إلى السيناريست إلى المخرج إلى لاعبي الأدوار الرئيسة من محمود مرسي إلى يحيى شاهين إلى شادية إلى عبد الوارث عسر, نجحوا نجاحاً باهراً, جعل من أجهزة الأمن المصرية تتقدم بتقريرها لعبد الناصر يتضمن أن (العمل) يعرض بحكمه باعتباره أنه عتريس المتفرد في القوة والسلطان, فيمنح ويمنع, ويجلد ويحكم بالإعدام أو يبتز الناس فيستولي على ممتلكاتهم ويسلب أقواتهم إن لم يرضخوا لنظام الخاوات (الإتوات) الذي فرضه عليهم, حتى جاء اليوم الذي أراد أن يتزوج فيه من فؤادة بالإكراه وبالسوط... فتمردت عليه وتحدته؛ مما أثار حمية شيخ القرية الذي أفتى بأن هذا الزواج باطل, الأمر الذي فهمه رجل الأمن بأن فؤادة هي مصر, وأهل القرية هم الشعب, وبالتالي فإن فتوى شيخ القرية إنما هو تحريض على سحب يد الطاعة من عبد الناصر والدعوة إلى الانقلاب على نظام حكمه...

 

وهو ما رفضه عبد الناصر وأذن بعرض الفيلم, وينتهي الأمر بأن تثور القرية بقيادة شيخها لتحرير فؤادة من عتريس، وكسر حاجز الخوف والخلاص من البلطجية وقطاع الطرق والمفسدين... وفعلا قد كان.. فقد تقدمت الجموع العزلاء نحو قلعة عتريس تحمل المشاعل, للدلالة على أن الثورة على الطغاة لا بد أن تكون بمقاومتهم ولو بالنار, وللدلالة على أن الفعل الجمعي لا يقف في وجهه طاغوت, ولا يمكن لأذن الطاغية أن تظل صماء فلا تسمع صوت الجماهير, سارت الجماهير وهي تردد (جواز عتريس من فؤادة باطل) ثار المستضعفون العزل فأسقطوا إمبراطورية عتريس, وتحررت فؤادة, ولم يغن عنه أزلامه ولا ظلمه ولا جبروته، أخذ يبحث عن مفر, ولكن لا سبيل, فقد التهمته ألسنة النيران, وبهذا سرد علينا الفيلم قصة الصراع بين الطواغيت والمستضعفين، والذي انحسم دوماً لصالح المستضعفين إن توفرت لهم إرادة الحياة, والمعنى قديم متجدد وهو ما صرخ به ابن الخطاب في سمع الدنيا (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا)

 

وهو الذي سكن صدر سبارتاكوس فحرر العبيد, وهو الذي آمن به أبراهام لنكولن فأكمل المشوار, هو الذي حفز الشعب الجزائري ليقدم مليون شهيدا ليسترد حريته, وهو الذي ينبغي أن يسكن صدر الفلسطيني في الضفة ويعلنها زواج عتريس من فؤادة باطل, فيطرد (مولر) ولو بقتله كما قتل سليمان الحلبي( كليبر)، وهو الذي يجب أن يسكن صدر محمود عباس ليقول لعتريس الدنيا (أمريكا) لا لما تمارسين من ضغوط واستبداد وعربدة, فالإكراه ينفي الرضا, والرضا شرط في العقود والمواثيق وإلا فالعار, فضلا عن أن تلك العقود والمواثيق باطلة.. باطلة؛ بطلان (زواج عتريس من فؤادة) وإرادة الشعوب لا يكبلها ابتزاز عتريس, وعلى ما قيل (لا سيف المعز ولا ذهبه يسلب الأحرار إرادتهم في الحياة الكريمة)...

 

فالثورة على الطغيان شعار ومبدأ.. وإلا فمزيد من عار العبودية والتبعية, وهوليس بقدر الأحرار أبداً أبداً, والثورة عنوان... ولن يخسر الثائر سوى القيد والخيمة على حد قول غسان كنفاني, وإلا فالجميع سواء في المصير المحتوم (الموت)، وشتان شتان بين موت الشريف الحر وبين موت الخائن العبد الذليل.. حقيقة إن الفيلم قال شيئا يستحق أن يذكر, بل ويتعلم منه المفاوض الذي يتكلم باللهجة الفلسطينية عساه يقتدي بفؤادة.