السبت 10 يناير 2026 الساعة 12:57 م

مقالات وآراء

لا تكسروا المرايا

حجم الخط

ذكر النبي صلى الله عليه وسلم النصيحة جاعلاً منها المعادل الموضوعي للدين ... كل الدين ... عقائد ، وعبادات ، ومعاملات ، فالدين ينقص بنقصان النصيحة ، ويزيد بزيادتها ، أي بمعنى آخر هناك تناسب طردي بين النصيحة والدين ، حتى إذا تلاشت تلاشى الدين ، فهي لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ، وليس الأمر قاصراً على العلماء الأفذاذ ، لا ، بل هي من كل من علم مسألة ، استوفى أركانها وشروطها ، ونواقضها وسننها وآدابها ، فهو بها عليم ، فليعلمها غيره ، فإذا علم وسكت فهو شيطان أخرس ، ولقد خلق الله الناس على هيئتهم ، وفضل بعضهم على بعض في القدرات الذهنية والبدنية ، ويسر كلا لما خلق له ليتكاملوا ، في الإعمار والابتكار والإبداع ، فلو كانوا جميعا في ذكاء إياس أو كرم حاتم لما عرفنا إياسا ولا حاتما ، فالإفراط في وجود الشيء كعدمه ، ولقد انسحب هذا القانون الرباني حتى على الأنبياء ( ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض ) فالإعمار عملية متعددة الجوانب فيلزمها من المهندس إلى عامل المجاري، كما أن الله زود الإنسان بغرائز وشهوات ، وأنزل إليه دستوراً محكما ، وأرسل له رسولاً هو في الذروة من الرسل ، فبين وفسر وأنذر وبشر ، ثم ترك للناس حرية الاختيار ، فمنهم من خاف مقام ربه ونهي النفس عن الهوى ، فهذا قد فاز في الدارين ، ومنهم من طغى وآثر الحياة الدنيا ، فهذا قد اختار لنفسه الجحيم في الدارين أيضا ..

 

وفي غمرة الحياة وتقلباتها قد يخون الأمين ويفرط الحريص ، بما فتح عيني عمر (رضي الله عنه) لينشئ ديوان المحاسبة ليسأل ( أنى لك هذا ) فلا يكفي أن يترك الناس إلى ضمائرهم فقد تضعفها الشهوات والرغائب، فإذا انعدم الناصحون والمحاسبون أصابها العمى ، فيبدلوا نعمة الله كفرا ويحلوا قومهم دار البوار ، إذ لا يقتصر البوار عليهم بل يتعداهم ، فيطال كل من سكت أو انخرس رغباً أو رهباً ،كما يطال – لامحالة – أول ما يطال الصالحين الذين ركنوا أو غرتهم الأماني واكتفوا بالدعوات الصالحات، كذاك الذي يقضي يومه مرددا ورده ( يا قاضي الحاجات يا مجيب الدعوات ) بينما هو راقد لا يحرك ساكنا ناسيا أن الله خاطب مريم عليها السلام وهي في أشد حالات الضعف البشري ، وقد ألجأها المخاض لتتشبث بجذع نخلة ، فقال لها : (وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا) ونسى أيضاً أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة ، كما نسي أن الفساد إن لم يتصد له المصلحون نبتت له أنياب ومخالب من حديد، واعتمر عمامة عالم وتحدث بلسان الأتقياء الأنقياء الزاهدين ، ورحم الله شوقي الذي كتب رائعته ( برز الثعلب يوما في ثياب الواعظينا ومشى في الأرض يهدي ويسب الماكرينا ) حتى اغتر به ديك فتبعه ، فافترسه ، ولكن قبل أن يدق الثعلب عنق الديك نطق بالحكمة، ولكن بعد فواته أوانها عليه لعل غيره يتعظ منها ( مخطئ من ظن يوما أن للثعلب دينا ) كما نسي المسكين أن مَرَدة المنافقين قد وجدوا إبان دولة المدينة ، وعلى رأسها (صلى الله عليه وسلم) بما يقتضي تفعيل النصيحة لتأخذ طريقها إلى صاحب القرار، ولا يتوانى في التثبت ، ثم يفعل صلاحياته بالثواب والعقاب ، ولا ينسى أبدا أن ( الجزاء من جنس العمل ) ،ولقد أسعدني جداً ما اتخذه وزير الداخلية فتحي حماد من قرار بإعفاء 1200موظف من منتسبي الوزارة لتجاوزاتهم، رغم أنني عجبت ، فلماذا تأخر هذا الإجراء حتى وصل العدد 1200؟ ثم هل هناك غيرهم في الوزارات الأخرى ؟

 

وما طبيعة تلك التجاوزات ؟ لا أريد إجابة بقدر ما أريد ألا يترك أصحاب التجاوزات الكبيرة – إن وجدوا – فلا يجرجرون إلى القضاء ؟ إن النصيحة لا تقتصر على ( قل كلمتك وامش ) لدى من له الصلاحيات ، لا بل هي القرار ، ولكن بعد أن يستقر في قلب كل واحد أنه في دائرة الضوء وأنه سيلقى جزاء ما عمل ، إن خيراً فخير وإن شراً فشر ، والنصيحة تبدأ بالإشارة إلى العيب والتذكير بالصواب ، فما عاقب الله عز وجل بشرا إلا بعد أن أرسل لهم رسولا ، فقال ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) وما قصر النبي صلى الله عليه وسلم في تبليغ رسالته أبدا وكيف يقصر وهو على يقين أن عين الله تراه ، وسيحاسبه ؟

 

(يا أيها الرسول بلغ ما أنزل من ربك ، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ، والله يعصمك من الناس ، إن الله لا يهدي القوم الظالمين) فلا تكسروا مراياكم حتى يعدل كل واحد منا هندامه الذي قد تشوشه الغرائز والرغائب أو غفوة الضمير..