فنلندا الدولة الأولى على مستوى العالم التي تكفل للمواطن حق قانوني لاستخدام الانترنت في منزله بسرعة 1 ميجا/ثانية، وفلسطين (الدولة) الأولى على مستوى العالم التي تُسقط حق المواطن في الحصول على جواز السفر الفلسطيني، خصوصاً إن كان من سكان قطاع غزة.
مفارقة عجيبة ترسم صورة الغباء التي وصل إليها الساسة في فلسطين ودرجة التخلف التي تردى إليها تفكير أمثال هؤلاء عندما يسلط (شبه الواحد) منهم نفسه على رقاب المرابطين في غزة ليضيق عليهم معايشهم، بذرائع واهية وحجج زائفة.
تقدمت في مايو – مثلي مثل العالم والناس – بطلب تجديد جواز السفر الفلسطيني؛ كيما أبر بوعدي لوالدتي الفاضلة ونعتمر سوياً في شهر رمضان المبارك، واتبعت كافة الإجراءات المطلوبة، دفعت رسوم البريد ومستحقات تجديد جواز السفر، و.. وانتظرت
وإذ بالرد يأتيني عن طريق صاحب المكتب بعد أقل من شهر (مرفوض).
نعم.. لقد رفضت حكومة رام الله إصدار جواز السفر لي بحجة “السلامة الأمنية“، لأنني أمثل خطراً أمنياً، بسبب انتمائي السياسي، أو عملي، أو لو شعر لحيتي أو لأنني غزة.
كلمة غزة مفردة في حد ذاتها تهمة لمن ينطق بها، ومن ينتمي إليها خارج عن القانون، ومن يقطن فيها إرهابي حتى وإن لم يكن بلحية، ولابد من فحص كل ما يخرج منها بأجهزة إشعاعية عالية التردد للتأكد من تمام موافقتها للمعايير المنحطة والمقاييس المنحازة لهؤلاء وزمرتهم.
كنت أظن أنني الشقي الوحيد، الذي طالته قبضة (مرفوض) بسطوتها، وانفردت تلوك معاناتي بطغيانها، فانزويت ألملم معاناتي وحدي، أبتهل لربي أن يفرج كربي، وما هي إلا أيام وتناثرت القضايا من حولي واتسعت رقعة المعاناة لتضم شريحة أعظم، فتشمل أطباء ومرضى، أكاديميين وطلاب، معتمرين وحجاج، وجمع غفير من المواطنين، الذين كانوا يعتقدون أن لهم الحق في الحصول على جواز سفر فلسطيني.
حلول شتى تبرع بها مستشارو القضايا السياسية العالقة في غزة، وهم كثر، فريق منهم أكد أن الخلل يكمن عند مكاتب السفر التي تدبر الأمر بليل، وتحيك المؤامرة مع منتفعين “ليلهطوا” رسوم البريد ومصاريف التجديد، ورشح فريق آخر أسماء مكاتب بعينها للتسجيل عندها لعلاقتها وقربها من أصحاب القرار هناك، في حين ركز ثالث على سلوك الشخص وهيئته، فلضمان الحصول على جواز السفر- من وجهة نظره – لابد أن تلبس “الهبز” وفي يدك “علبة فايسروي” وتزيل لحيتك “بالحلاوة” لو أمكن، وتعطي الانطباع لأصحاب التقارير في منطقتك أن عقدك انفرط وحالك انفلت وبين ليلة وضحاها أصبحت “حبتي” مثلك مثل أي صايع يحترم نفسه، وحمّل الفريق الأخير القضية على شماعة الانقسام وطالب بالإسراع في إزالته والعمل على متطلبات الوحدة، ورأب الصدع وإزالة الخلاف بين الأخوة، لتسير عجلة السلام.. و.. وبقية المصطلحات الأعجمية على قاموسي.
وفي مبادرة يائسة أصدرت الحكومة في غزة قراراً بتجديد الجوازات لمدة عام لمحاولة التخفيف عن أصحاب الاحتياجات الطارئة للسفر، خصوصاً المعتمرين، بعدها مباشرة جاء قرار رفض “التفييز” للجوازات الخضراء من المملكة السعودية، بحجة أن تجديدها لم يكن من حكومة رام الله حسبما هو متفق عليه.
مطية أولئك الأشقياء في المقاطعة السوداء أن الرفض مرهون بالانتماء السياسي؛ لذا عندما تسمع أحدهم يخاطبك عبر الشاشة يزعم دعمه لأهل غزة وصمودهم، فاجمع في فمك ما قدر الله لك من لعاب، وامزج ذلك بما علق في حلقك من مخاط، وبكل ما أوتيت من قوة أطلق لها العنان بلفظة واحدة:
“اتفوووووووه“

