( لم يعد في القوس منزع ) كلمة قالتها العرب منذ أن كانوا عرباً، يغضبون إذا ما داس أحد على طرف رداء أحدهم ، فتأخذ إحدى يديه طريقها إلى مقبض سيفه ، بينما تندفع الثانية (قبضة) إلى أنف من داس ، وقد تشتعل – بعدها – حرب ، لا ينطفئ أوارها إلا بعد أن تزهق نفوس ، وتجري دماء ، هو ما فعله الزعيم الغساني جبلة بن الأيهم ، أثناء تطوافه بالبيت العتيق ، أبت عليه كرامته؛ فثار غضبان على من داس على طرف ردائه ولو كان عن غير عمد ..
قد يقول قائل : هذا يتنافى مع أبسط مبادئ الذوق السليم ، فالتسامح أولى ، والجلافة خلق خشن تأباه الفطرة السليمة !! فأقول : هذا صحيح ، وأسلم بما هو أبعد من ذلك ،لأن نفس جبلة التي خالطها الكبر والتعالي أبت عليه أن يتسامح مع أعرابي بسيط، فأدمى أنفه ، ولكن لو تخيلنا أن جبلة هذا يعيش في زماننا وداست (إسرائيل) كرامة شعبه ، وسلبت أجزاء من أرضه وماله ، وقتلت واستبدت ، فهل سيتسامح جبلة بما طبع عليه من كبر وتعال ، وثورة لكرامته ؟ لا أتصور ذلك ، بل الثورة على ذلك هي الفطرة السليمة ، والخشونة هي الرادع الحقيقي لاعتدائها وإجرامها !!
إذن أين قبضة جبلة على أنف (إسرائيل) التي تدوس كرامتنا وتهود مقدساتنا ؟ أين قبضة جبلة من أنف قتلة أطفالنا وسرقة أرضنا ؟ وأين قبضته من أنفها وقد حطمت قيودها معاصم تسعة آلاف رهينة من أبناء شعبنا ؟ لماذا ضاق صدر ذلك الزعيم بأعرابي بسيط ، وأما زعماؤنا فتتسع صدورهم لمستوطنات يبنيها اليهود فيها فتكتم أنفاسهم ، وتحقر من شأنهم ، والمصيبة في أنهم يرضون لأنفسهم أن يكونوا عبيد إحسانها ( وفضلاتها )، وهل يجمل التسامح في هذه الحال ؟
بالطبع لا ، فالتسامح لا يكون إلا من قوي ، فالعفو عند المقدرة من شيم الكرام، هي حقيقة تربى عليها أسلاف قادتنا ، وهم بعد في سن الصغر ، فلماذا لم يَرِثْها قادتنا عنهم ؟ ما الذي أوصلهم إلى أن يتخذوا قرارات بكسر الحصار عن إخوانهم وأهليهم ولا يقدرون على إنفاذها ؟ ما الذي شطب ( لا ) من أبجديتهم إذا كان لا بد من أن يقولوها لسياسة أمريكا الظالمة المجرمة ؟ فكيف يؤولون تخاذلهم عن نصرة المظلومين من الفلسطينيين ؟ وإن وقفوا أمام ضمائرهم ولو لساعة فبماذا يبررون ( وهم الكثرة الكاثرة ) هزائمهم المتلاحقة أمام عصابات من الصهاينة ، سرعان ما انهزمت وفرت - كالفئران المذعورة - أمام حزب لا دولة ، وأما صمود شعب يكاد يكون أعزل إلا من الإيمان بعدالة قضيته وحقه في الحياة ؟
ولماذا يسحقون إرادة شعوبهم إن دعتهم للوقوف في وجه الطغاة من الصهاينة ؟ لقد عقد لساني مشروع تحويل الجامعة إلى اتحاد عربي ، وعند المقارنة لم أجد إلا تغييرا في الاسم؛ مما دعا أحد الخبراء لأن يقول : تمخض الجمل فولد فأرا ، ويبقى الحال على ما هو من هوان وتبعية وذل !! ألا يستدعي ذلك إلى أن يعودوا إلى أخلاق دار الندوة وخشونة جبلة بن الأيهم ؟.
فمن الهوان أن تتسامح أمة قوامها ثلاثمائة مليون نفس مع من سلب تاريخها وسحق كرامتها بكل ( بصاطير ) العصابات الصهيونية !! ومن الهوان أن تنعم تلك العصابات بكل مباهج الحياة بينما أطفال فلسطين يعيشون حياة المشردين والمتسولين وأطفال الشوارع ، وقد كان لهم وطن ، ومن الهوان أن تتبدد طاقات الأمة في المجون وفضائيات الخلاعة والإسفاف باسم التسامح والسلام ، ومن الهوان ألا يشعر قادتنا بالهوان ، ولأوطانهم من المقدرات والتاريخ وعزائم الرجال والجيوش ما لو تحركت لاستردت الحق السليب والوطن المغتصب والكرامة !!هل يعود قادتنا إلى خشونة جبلة وجلافته، ولكن مع من داس كرامتهم لا مع شعوبهم ؟ أتمنى ،،،،


