بات واضحاً وجلياً أن فلسلفة الحصار تقوم على محاولة الدفع نحو انهيار حكم حركة حماس، إما بواسطة إقرارها بالعجز عن تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، أو عبر دفع الغزيين للتمرد على حكم حماس وإظهار الحركة وكأنها تفتقد العمق الجماهيري؛ من هنا شعرت قيادة "فتح" وحكومة رام الله بكثير من الضيق عندما بدت مظاهر انهيار الحصار كما عبرت عنه التداعيات التي أعقبت أحداث أسطول الحرية. ولقد بدا من خلال الدعوات للمصالحة التي اتسم بها خطاب "فتح" وحكومة فياض، وتشديد الطرفين على أن تحقيق المصالحة يجب أن يسبق رفع الحصار، وكأن هناك تناقضا بين رفع الحصار وتحقيق المصالحة الوطنية. ومن الواضح أن هذا الخطاب يفتقد للمصداقية والجدية؛ فمَن الطرف الذي أحبط الجهود الهادفة لتحقيق المصالحة؟ فمن أسف فإن الشروط التي وضعتها حركة فتح مدعومة بالقوى العربية الإقليمية لا تهدف لتحقيق المصالحة، بل تهدف بشكل أساسي إلى جر حركة حماس وحركات المقاومة للمربع الذي ترسمه "إسرائيل".
فما العلاقة بين تحقيق المصالحة ومطالبة حركة حماس بقبول شروط اللجنة الرباعية التي تتضمن الاعتراف بـ"إسرائيل"، ونبذ المقاومة بوصفها إرهاباً، والالتزام بالاتفاقيات الموقعة بين "إسرائيل" والسلطة الفلسطينية؟. وإن كانت "فتح" تبدي كل هذا الحرص على المصالحة، فلماذا تصر على أن تقبل حركة حماس ورقة المصالحة المصرية بدون أي تعديل، وبدون النظر في ملاحظات الحركة عليها، وهي تدرك أن الانطباع السائد ليس لدى قيادة حركة حماس فقط، بل لدى الجميع بأن الورقة المصرية صممت لخدمة موقف "فتح"، وهي تحمل بذورا تفجر الأوضاع من جديد بين حركتي فتح وحماس؛ لأنها تنطلق من افتراض أن رئيس سلطة رام الله محمود عباس هو طرف محايد وليس طرفا أساسيا في حالة الإنقسام.
وتخشى سلطة رام الله ومعها الأطراف العريبة الإقليمية وخلفها "إسرائيل" والإدارة الأمريكية أن يؤدي رفع الحصار إلى حرمان هذه الأطراف مجتمعة من القدرة على مواصلة ابتزاز الشعب الفلسطيني وإجباره على دفع ثمن خياراته الديمقراطية التي عبرت عنها نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة.
على الرغم من الشكوك الكبيرة حول نوايا عباس الحقيقية، إلا أنه بإمكانه أن يزيل الانطباع المتبلور حول حقيقة موقفه من المصالحة، ويدلل على أنه جاد في تحقيقها، من خلال الإثبات بأنه يعمل ضد الحصار المفروض على شعبه الذي يفترض أنه يمثله.
فهل يعقل أن يتباكى عباس على المصالحة وهو الذي يمنع تحويل الأموال لشركة توزيع الكهرباء في غزة لسد فاتورة الوقود المستخدم في تشغيل محطة توليد الكهرباء الوحيدة في القطاع، الأمر الذي أدى إلى أزمة كهرباء خانقة لم يسبق لها مثيل، مع العلم أنه في كل ما يتعلق بأزمة الكهرباء لم يعد بالإمكان اتهام "إسرائيل" بالتسبب في الأزمة بعد أن اتضحت أبعاد القضية، حيث إن الاتحاد الأوروبي يمنح السلطة مخصصات مالية لتغطية نفقات شراء الوقود المستخدم في توليد الكهرباء، وهي ترفض تحويلها لشراء الوقود المطلوب. وهل يعقل أن يتحرك عباس لدى الإدارة الأمريكية لحثها على عدم المساهمة في رفع الحصار على القطاع بشكل كامل؟
بالطبع لم يعد للمرء أن يتعامل بجدية كبيرة مع نفي عباس وسلطته لما تورده وسائل الإعلام الأمريكية والعربية والإسرائيلية، فقد سبق له أن قطع أغلظ الأيمان بأنه لم يأمر بتأجيل بحث تقرير "غولدستون" الذي أدان "إسرائيل" بارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وتبين فيما بعد بأنه هو شخصياً المسؤول عن سحب التقرير كما أكدت ذلك لجنة التحقيق التي شكلها عباس نفسه.
إن عباس بإمكانه أن يدلل على حرصه على المصالحة وعلى مصالح شعبه عبر العمل الجاد والحقيقي لرفع الحصار، فعباس يخطئ مرة أخرى عندما يعتقد أن التضييق على الناس في غزة سيؤدي حتماً إلى المس بمكانة حماس، حيث تبين أن المتضرر الأساسي من ناحية سياسية هو عباس وسلطته وحركة "فتح"، حيث يتآكل رصيده السياسي والشعبي بشكل واضح وجلي. لو تجاوزنا الناحية المبدئية والاعتبارات الوطنية والأخلاقية، وركزنا على الجوانب السياسية، فإنه يمكن القول إن عباس بإمكانه أن يسجل نقاطا عديدة في ملعب حماس لو أقدم على خطوة عملية حقيقية من أجل رفع الحصار، كأن يعلن عن إطلاق سراح المعتقلين السياسيين من سجون الضفة الغربية، وأن يوقف التنسيق الأمني مع "إسرائيل"، أو يعلن بشكل لا يقبل التأويل أنه مادام الحصار مفروضاً فإنه لن يتم استئناف المفاوضات مع "إسرائيل".
للأسف الشديد فإن حديث عباس وزمرته وبعض الأطراف الإقليمية المتناغمة معه يهدف إلى إطالة عمر الحصار وصولاً لتحقيق أهدافه، بعد أن اكتشف عباس أنه كلما مر الوقت بات أبعد عن تحقيقها.


