يوم أول من أمس دخلت مستشفى العودة (جباليا) لعيادة ابنتي التي وضعت ( رهف ) التي أكملت العشرين حفيداً، الذين بدأهم أخوها سراج قبل حوالي سبعة عشر عاماً ، وبذا أكون قد أسهمت في زيادة عدد الشعب الفلسطيني بتلاثة وثلاثين فرداً ما بين ولد وحفيد، وأنا الذي خرجت إلى الدنيا قبل ثنتين وستين سنة بالتمام والكمال ، وما أن استهللت حتى اشتعلت نيران الحرب ليغتصب اليهود بهجة أمي بي واستقرارها ، وقد حدثتني ( رحمها الله ) أنني كنت عبئاً عليها ؛ إذ جففت الحرب لبنها.
وكان حولها خمس بنات كبراهن في الرابعة عشرة من عمرها، (فخرط ) الرعب أرجلها بعد أن انتشرت شائعة أن اليهود يغتصبون البنات ، فقطع الجوع أمعائي ، والشوب قد شوى جسدي ، ولا يكاد يهدأ لي صراخ أو يسكت ، حتى تمنت أن يبح صوتي كي لا يسمعه اليهود ، فيأتوا لقتل أخي ذي السنتين ، وهتك أعراضنا . وأخيراً اهتدت إلى أن تضع في فمي طرف غطاء رأسها ، وقد بللته بماء العجين المذاب به شيء من السكر.
فهدأت ولكن إلى حين ، انشغلت به أمي عني بجمع ما يمكن أن تضعه في صرة صغيرة عند هروبها بنا من (الهاغاناة ) ، الذين بدؤوا يدخلون قريتنا!! فاستبد بها الرعب على أبي الذي لا تعرف أين هو ، وعلى أخي البكر ( 17 سنة ) الشرطي في بيت لحم ، فأخذت تدور وتدور حول نفسها بعينين زائغتين ، وقلبها الذي أخذت تتعالى دقاته ، ولا تكاد تحملها ساقاها ، ولا تدري بماذا تصرخ ، فاختنقت أنفاسها ، وبللها العرق ، وأخيرا صرخت ( يا راااااب....) وأجهشت في البكاء ، فشاركتها أخواتي وأخي الصغير.
ثم أنا حيث كنت صاحب الصراخ الأعلى ، حتى مزق صراخي نياط قلب أختي الكبرى ، فاندفعت بي إلى خارج الدار ، ثم لحقت بها أخواتها، فأمي إلى حيث لا مكان ولا زمان . تقاطرت كلمات أمي وأنا أنحني على خد رهف أقبلها ، وغبطتها على ما هي فيه من نعمة العافية والاهتمام ، فالمروحة قريبة منها ، والممرضة ( تشقر ) عليها بين الحين والحين ، وسريرها غير سريري ، وأمها في اغماضة هانئة تحرك رأسها يمينا وشمالا مع زفرة خفيفة ( يا الله ) وحولها نحن : فرأيت أمي بكل خوفها ورعبها وحيرتها وهروبها ، ثم التفت إلى رهف فسألت : كيف سيكون مصيرها ؟ وكيف ستعيش عمرها ؟
ولست أدري لماذا خطر في بالي ذكر إيمان حجو ، ثم عشرات الآلاف من الذين قتلوا في حروب متعاقبة شنتها ( الهاغاناة ) التي صارت ( اتساهال ) على شعبنا ولا نزال في دار الهجرة والشتات ، نعيش حياة قلقة لا استقرار فيها ، مصيرنا مجهول ، تتلاعب بنا الأهواء ، وتحشد قوى البغي – ضدنا – كل إجرامها وساديتها وقسوتها ، لم أجتمع وأولادي منذ 19 عاماً على مائدة واحدة ، فمن هجرة إلى هجرة ومن غربة إلى غربة ، ومن سجن إلى سجن ، لاحقنا الفقر وبرى عظامنا البرد ، وسرت الهشاشة إلى كياننا في سن مبكرة.
وزحفت الشيخوخة إلى بعض أبناء جيلي وهم – بعد – في شرخ الشباب ، أكل القشف ( راقات ) من أيدينا وأرجلنا ، فدب إلى قلبي شيء من الخوف على رهف ، فأشفقت عليها ، وأحببتها اكثر ، أفاقت ابنتي ، قبلت جبينها مع حبات العرق التي تكسوها ، خرجت ، التقيت في الممر بإبن الجبهة الشعبية أبي محمود ، زميل معتقل ( كيتسيعوت ) ، أخذ يسرد علي بعض الذكريات ، دعاني إلى تناول القهوة مع المدير الإداري.
جلست : استمع إلى شكوى مريرة تبعث على الأسى والأسف !! قال : تصور أن سلام فياض حرم العسكريين من التأمين الصحي الذي كنا نقدم- بموجبه- لهم العلاج !! ورغم ذلك قررنا أن نستمر في علاجهم رغم أن الفاتورة التي يتعين عليه دفعها قد بلغت سبعين مليون شيكل ... يرفض دفعها ، وهي التي يمكن بها – لو صرفها – أن نرتقي بالخدمة والبناء واستقدام المختصين : ولأصلحنا المصاعد ( المعلقة ) سألت بتنهيدة لماذا يحرم العسكريين التابعين ل (م. ت. ف) وليسوا من حماس ؟ فأجاب : اسأله ! فقلت : يبدو أنه يعاقب غزة كل غزة ، والعسكريون هنا من غزة ! ابتسمت بحسرة ، ووجدت نفسي أهمس لنفسي : إن الهاغاناة هي السبب.
