الأربعاء 21 يناير 2026 الساعة 04:06 ص

مقالات وآراء

يا لاجئ لك يوم !!

حجم الخط

ترك الديار والأوطان عنوةً صناعة أتقنها أعداء الإنسانية من غابر الأزمان ، فالإنسان ضعيف بطبعه وخاصة إن كان من الشيوخ والنساء والولدان ، ومن هد قواهم المرض والعوز.

 

الهروب وسيلة الضعيف إذا ما أحدق به الخطر ، فإذا ما دوهمت أرضه ودياره بغتة ، أو استشعر بأن خطراً واقعاً به لا محالة ترك الأرض والدار بحثاً عن غيرها أكثر أمناً واستقراراً، حتى وإن هرب إلى مجهول لعله يجد فيه ملاذاً، شعوب وأمم كان مصيرها التمزق والشتات، فكثيرات هن الأمهات من ذهلن عن فلذات أكبادهن، حتى إذا ثابت إلى رشدها فإنها سرعان ما تفقد عقلها على رضيعها الذي تركته حيث كان ينام أو تاه منها في الزحام، وكثيرون هم الذين ارتووا من دماء الضعفاء وامتصوا عصارة حياتهم.

 

فقد نشأت أمريكا على أشلاء الهنود الحمر ، أصحاب القارة ، حتى وصل بالطغاة أن يشطروا أجساهم بالمناشير عند إبداء أول إيماءة عصيان أمر السادة ، وبقيت كذلك أمريكا حتى رأيناها تشرب من دماء بغداد وكابل ، وتغسل أيدي الصهاينة وأنيابهم بعد أن يشبعوا من دمانا ولحومنا، وكذلك فعلت بريطانيا التي فر من رصاص جنودها الملايين في أركان الدنيا الأربعة، فلجؤوا إلى ديار غير ديارهم وأوطان غير أوطانهم، وبذا فقدوا تاريخهم وعقائدهم وألسنتهم.

 

ولم تقصر فرنسا؛ التي تسببت في تشتيت عشرات الملايين من المستضعفين ، واستولت على أوطانهم وألحقتها بإمبراطوريتها ، وفرضت على من بقي عاداتها وتقاليدها ودينها وثقافتها ولسانها ، وعقلها ، هو ما فعلته أسبانيا التي نصبت محاكم التفتيش المرعبة على كل من ليس بنصراني ، فابتكرت من آلات البطش والقتل ما تشيب من هوله الوحوش الكواسر ، واضطرت الملايين إلى أوطان اللجوء ليعيشوا حياة العبيد أو الفقراء والمساكين في أحسن الأحوال.

 

هو ما فعله الشيوعيون في ملايين المسلمين وعلى جماجمهم وأشلائهم قام الاتحاد السوفيتي ، ولم يتوقف مسلسل البطش والتهجير حتى ازدحمت سيبيريا بكل ثلوجها وجليدها بجثث ما لا يقل عن 5 مليون ( معارض ) لذلك النظام الاستبدادي البغيض، وهو ما رأيناه على يد الصرب وما فعلوا بكوسوفا ومدنها وملاعبها ومساجدها .. قتل ذبح دمار اغتصاب حرق .. وغيرها، تضطر المستضعفين إلى الهجرة بحثاً عن ملجأ ولو مغارة في جوف جبل برفقة الثعالب والذئاب وابن آوى والعقارب، التي يراها الفارون أرحم وأكثر وفاء من هؤلاء المجرمين.

 

هو ما نراه في وزيرستان وبلوخستان، وهو ما رأيناه في هانوي وسايجون حيث يكون الموت ملازماً للبقاء في الأرض والوطن، هو ما جرى لعزبة عبد ربه وأهل دير ياسين من قبل، وأهل يافا، هو الظلم الذي يقع اليوم على قرغيزيا، كما أن تلالاً من الورق التي تتضمن مواثيق وقرارات وقوانين لحماية اللاجئين، وتقديم المساعدة لهم، فينبري المجرمون بتقديمها، فتفتح لها مراكز، ويندبون لها موظفين، وتشكل جمعيات ومؤسسات تجمع الملايين باسم اللاجئين لتقدم لهم الملاليم .. ثم ينظمون لهم أعياداً وأياماً ، والقائمون هم المتحدرون من أصلاب الطغاة والظالمين، ليجنوا المزيد ، فيزداد الأغنياء غنى، ويزداد الفقراء بؤسا وتعاسة وعوزاً... مما يضطرهم أحيانا إلى أن يلقوا بأجسادهم طعاما للأسماك بعد أن تنقلب بهم قوارب الهروب ، أو أن يسلموا أجسادهم كفرائس لوحوش البرية ، أو الرمال المتحركة ، هي الجريمة والعقاب ، أو البقاء في بيته لاجئا، أو وطنه – أيضا- لاجئا، ليصبح رقماً أو اسماً ( كوديا) في قائمة من قوائم الأقليات، بعد أن طرد الطغاة الغالب الأعم من أهله وأبناء وطنه وممتلكاتهم.

 

هي قصة المليون فلسطيني أو يزيد ممن يحملون لقب ( عرب إسرائيل ) هم الشيشان والشراكسة في أوطانهم وأوطاننا ، وهم الجزائريون في الجزائر يوم أن كانت فرنسا تزعم أن الجزائر أرض فرنسية ، وهم أهل الجولان في هضبتهم ، وهم المقدسيون في قدسهم بعد قرارات الضم للدولة ...وهم ... وهم .... وهم .. اليوم هو يوم اللاجئين...

 

ولأننا ( هم ) فاليوم يومنا العالمي الذي يذكر بوطن طردنا منه الصهاينة لم يتطرق نسيانه إلى قلوبنا أو عقولنا ، فيه نجدد العزم على استرداده مهما بلغ الطاغوت الصهيوني في إجرامه ، ولنقول للدنيا : خائن من باع أو تاجر أو استبدل أو تنازل أو تخاذل ، خائن من شطب حق العودة ، وخائن من نسي أرضه التي هي أرض آبائه وأجداده ، وجميل ذلك الشعار ( لا عودة عن حق العودة ) .. نجدد فيه العزم على أن قضيتنا ليست قضية إنسانية تتطلب المزيد من المساعدات والعون ، بل قضية حق سلبه الصهاينة يجب أن يعود ، وأن يعود الصهاينة إلى حيث أتوا ، قضية دماء سالت فداء لهذا الوطن ، وأرواح زهقت لتحفظ على أصحاب الحقوق حقوقهم ولا تفريط به أو نكوص أو تنازل ...

 

إن يومنا هذا ؛ أعمارنا التي انقضت والتي ستنقضي ، وهي أعمار الأجنة ومن سيتوالد منهم ، حتى يعود حقنا كاملاً غير منقوص ...