الأربعاء 21 يناير 2026 الساعة 04:06 ص

مقالات وآراء

تآمر دبلوماسي علنيّ لمنع فكّ الحصار عن غزّة

حجم الخط

إلى أين تمضي الحملة العالمية الداعية إلى فكّ الحصار عن غزّة؟

 

لقد مثّل «أسطول الحرّية» حالة نضالية سلمية من أجل فكّ الحصار، وأدّى الهجوم "الإسرائيلي" على الأسطول إلى بروز حملة عالمية ضدّ "إسرائيل"، يعترف بها "الإسرائيليون"، من دون أن يدرك بعض القادة الفلسطينيين وبعض القادة العرب، مغزاها السياسي العميق. وحده شيمعون بيريس رئيس دولة "إسرائيل"، يدرك هذا المغزى ويعلن أن مستقبل "إسرائيل" في خطر، وتسنده في ذلك عشرات المقالات في الصحف "الإسرائيلية" تتحدث عن الشيء نفسه.

 

ولكن ما إن هدأت الحالة النضالية السلمية التي فجّرها «أسطول الحرّية»، حتى هدأ الحراك النضالي، وانفتح المجال أمام العمل الدبلوماسي الدولي، وهنا تقدّمت القوى الدولية الفاعلة، والإدارة الأميركية في مقدّمتها، إلى طرح دبلوماسية جديدة للتعامل مع الحصار، يمكن أن نقول إنها تقوم على المبادئ التالية:

 

أولاً: تخفيف الحصار الغذائي والبنائي (الإسمنت) على غزّة، والإبقاء على الحصار البحري، بحجّة منع وصول السلاح إلى القطاع.

 

ثانياً: التأكيد على موضوع المصالحة بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس، وضرورة إقدام حماس على توقيع ورقة المصالحة المصرية، على أن تبحث اعتراضاتها بعد التوقيع، و«بالتوافق»، الأمر الذي يعني إعلان هزيمة حماس في غزّة أمام زحف السلطة الفلسطينية.

 

ثالثاً: العودة إلى اتفاق عام 2005 الخاص بفتح معبر رفح، وهو الاتفاق الذي أنجزه محمد دحلان في حينه، والذي ينصّ على وجود أمن السلطة الفلسطينية في المعبر، ووجود مراقبة أوروبية مباشرة، ووجود مراقبة "إسرائيلية" عبر الكاميرات.

 

وخلاصة هذه النقاط الثلاث، أنها تعني التخلّي عن فكرتي: المشاركة في السلطة، والاتفاق على الخطّ السياسي النضالي في مواجهة الاحتلال، وقبول ما كان سائداً في السابق، أي سيطرة السلطة الفلسطينية على قطاع غزّة، وإلغاء مبدأ مواجهة الاحتلال "الإسرائيلي"، على غرار ما هو معتمد في رام الله.

 

وخلاصة هذه النقاط الثلاث أيضاً، إعلان فشل حملة الأسطول البحري، وإعلان فشل الضغط التركي على "إسرائيل"، وإعلان التخلّي الفلسطيني عن مطالبة أحرار العالم برفع الحصار الكامل عن غزّة، حتى بعد أن قدّموا أرواحهم ثمناً لذلك.

 

وتؤيّد هذه السياسة خمسة أطراف هي: واشنطن، واللجنة الرباعية الدولية ممثّلة بتوني بلير، و"إسرائيل"، ومصر، والسلطة الفلسطينية، وهي تتعاون فيما بينها لتخفيف حدّة الحصار على غزّة، ومنع حركة حماس من الاستفادة من حالة الإنهاء الكامل للحصار، وتحويل الانتصار السياسي إلى صالح السلطة الفلسطينية ومخطّطها.

 

وأمام هذه الصورة لا بدّ من القول، إن حصار غزّة هو حصار مفروض على الشعب الفلسطيني، على مليون ونصف مليون نسمة، وليس مفروضاً، كما يجري القول، على حركة حماس. إن حركة حماس تتأذّى من الحصار من دون شكّ، ولكن ذلك يحدث كنتيجة، وليس هو الموضوع الأساسي. وما يجري فعلياً هو تجويع الناس، وتركهم في العراء سنوات، من أجل ضرب فكرة حقّ المقاومة المسلّحة للاحتلال، وبحيث ينصاع الجميع لقبول المخطّط الأميركي-"الإسرائيلي".

 

ولذلك، وبناءً على هذه الصورة الموجزة، التي يمكن تدعيمها بعشرات الاستشهادات من المواقف "الإسرائيلية" المعلنة، ومن التصريحات الفلسطينية والعربية التي تقال في الغرف المغلقة، ثم يجري نفيها بتصريح صحافي، وكفى الله المؤمنين شرّ القتال. بناءً على هذه الصورة، يصح ّالقول بأنه لا يمكن مواجهة هذا المخطّط الدبلوماسي إلا بسفن بحرية جديدة، تحيي المعركة مع الخصم الأساسي الذي هو "إسرائيل"، وتعرّي الموقف السياسي الأميركي الداعم لـ"إسرائيل". وهناك عمل دؤوب يجري الآن من أجل إرسال سفن بحرية جديدة إلى غزّة، ولكن "إسرائيل" تتنبّه إلى خطورة استمرار هذا العمل، وبدأت بمواجهته من خلال اتصالات تجريها حالياً مع دول أوروبية، طالبة منها ألا تسمح لمواطنيها بالانضمام إلى السفن الجديدة التي يجري إعدادها. وتعرف "إسرائيل" هنا أنها لن تستطيع تكرار تجربة الهجوم التي حصلت مع «أسطول الحرّية»، رغم أن نتنياهو يواصل إطلاق تصريحاته العنترية المؤكّدة على أن المواجهات ستستمر. والغريب هنا أن الأطراف الأساسية المتعاملة مع الوضع كلّه، تواجه مواقف سياسية متعنّتة تضرّ حتى بحلفائها، ولا تسهّل المضيّ بحلّ رفع الحصار الجزئي، إلا إذا حصلت تغيّرات أساسية في المواقف. وتدور حول هذه النقطة حوارات "إسرائيلية" صاخبة وصعبة (على حكومة نتنياهو)، وخلاصتها كما يلي:

 

أولاً: ضرورة أن يقدم نتنياهو على حلّ التحالف السياسي القائم حالياً داخل حكومته، والإقدام على بناء تحالف سياسي جديد، يقوم على مشاركة حزب «كديما» في الحكومة، وهو أمر ليس سهلاً على نتنياهو، لأنه يعني ضرورة بناء دبلوماسية جديدة تجاه أميركا وتجاه الفلسطينيين، عنوانها التنفيذي إقالة وزير الخارجية الحالي أفيغدور ليبرمان، ونبذ سياسته العنصرية.

 

ثانياً: يتولّى التحالف الجديد بلورة خطّة سياسية تفاوضية مع الفلسطينيين، تلتقي مع مطالب الرئيس أوباما، وتفتح طريق الانتقال بالمفاوضات من مفاوضات غير مباشرة إلى مباشرة، يظهر معها (ولو شكلاً) أن سياسة أوباما في موضوع التسوية، تسير في طريق النجاح. ويتولّى شيمعون بيريس داخل "إسرائيل"، إجراء اتصالات ومفاوضات غير علنية، مع الأطراف السياسية المختلفة، للوصول إلى هذا التحالف الجديد.

 

الطرف الفلسطيني (السلطة) هو الطرف الثاني في هذه المعادلة، وهو رغم موقفه المترجرج، يواجه تحدّياً من نتنياهو نفسه. فالمفاوض الفلسطيني يطلب موقفاً "إسرائيلياً" محدّداً من قضيتي الحدود والأمن، من أجل الانتقال إلى المفاوضات المباشرة. ولكن نتنياهو يرفض تحديد موقفه من هذه القضايا حتى الآن. وبدلاً من ذلك يقوم بخرق اتفاقه مع أوباما حول تجميد الاستيطان بشكل غير معلن رسمياً، فيعلن فور بدء مطالبته بوضع خطّة سياسية جديدة، عن مشروع استيطاني جديد وضخم في منطقة القدس (1600 وحدة سكنية). ويشكّل هذا الموضوع تحدّياً لواشنطن، وتحدّياً للسلطة الفلسطينية في الوقت نفسه، ويضع الرئيس محمود عباس أمام وضع صعب، إذ يقدم على التحالف دولياً وعربياً ضدّ حماس، بينما يفشل مخططه التفاوضي من جديد.

 

ولا يوجد مخرج من هذا الوضع المتناقض والمعقّد، من خلال سياسة ترك الأمور بأيدي القائمين عليها الآن، إذ لا بدّ من موقف سياسي عربي جديد، يطرح موقفاً صارماً من أجل فكّ الحصار عن غزّة بالكامل، برّاً وبحراً، وهو أمر ممكن بقليل من المصارحة العربية الداخلية. ولا بدّ أيضاً من القول، وبجرأة، إن قضية المصالحة الفلسطينية، تحتاج إلى تأكيد مبدأ المشاركة بين الفائزين في الانتخابات الفلسطينية، والتخلّي نهائياً عن منهج غلبة طرف على آخر. ولا بدّ أيضاً من أن يقول العرب بصوت عال إن من حقّ الشعب الفلسطيني أن يقاوم الاحتلال، ثم يكون هذا المبدأ أساساً جامعاً لكل القوى الفلسطينية، الفصائلية والسياسية، وليس أساساً لعلاقات ثنائية بين فتح وحماس فقط.

 

لقد ألقى العرب عبء موقفهم الغائب على عاتق عمرو موسى، ولكن عمرو موسى ليس إلا صدى للموقف السياسي العربي، وهو يستطيع أن يفعل الكثير حين يتمّ تزويده بموقف عربي جديد... فهل نأمل؟.