في جلسة ضمت رابطة الكتاب و الأدباء مع السيد حازم الشعراوي مدير عام قناة الأقصى الفضائية، تشعب الحديث وأخذ مسارب شتى، وكان يدور حول ما أزمعت عليه فرنسا من وقف بث القناة على القمر الصناعي ثم تجميد ما أزمعت عليه مع إبداء الاستعداد لإعطاء فرصة للقناة إذا ما عدلت في خطابها، والأمر لا يحتاج إلى تفكير لنصل إلى المراد بالتعديل، فقناة الأقصى هي قناة فلسطينية حرمت على نفسها بث الأفلام و المسلسلات الهابطة أو الإباحية، كما حرمت بث الغناء الراقص الذي ملأ فضاءات الكون ووصل إلى درجة من الإسفاف والمجون ما يفسد الأذواق و يشوه الفطرة و يحرف أجيالاً و أجيالاً عن الجادة ، هي قناة فلسطينية لم تصطلح مع العبث الذي يحلو للبعض أن يسميه مسيرة السلام مع المحتلين الغاصبين، ولم تروج لبضاعته الكاسدة الفاسدة، وهذا ما أغضب فرنسا التي أخذت على القناة بثها لثقافة الكراهية، أي للمشروع الصهيوني الإحلالي الذي كانت فرنسا من أوائل الدول التي زودته بوسائل الموت والدمار لمصر و الأردن وسوريا ولبنان فضلاً عن فلسطين مرات و مرات، وللغرابة فإن فرنسا لا تعد ذلك ثقافة كراهية حتى وإن كانت (أسلحة دمار شامل) المحرمة دولياً، فحمت أجساد أطفال غزة، كما أنها لا تسمي قرارات الصهاينة بالحصار البري والبحري والجوي على غزة ثقافة كراهية ذاك الذي قتل مئات الأطفال والشيوخ بعد أن نهشت أجسادهم أمراض الدم والكلى والقلب والسرطان، وفرنسا ساركوزي لا تسمي ثقافة كراهية ما تتخذه ضد المنقبات والمحجبات من قرارات و إجراءات ما يتنافى مع أبسط حقوق الإنسان التي تزعم فرنسا رعايتها، ولا تسمي فرنسا سماحها لـ(إسرائيل) بإجراء تجاربها النووية على أرض الجزائر ثقافة كراهية حتى لو ذهب الجزائريون؛ كل الجزائريين إلى قعر الجحيم النووي و إشعاعاته لعشرات السنين، أما ما تبثه قناة الأقصى فهو ثقافة كراهية !!
إن فرنسا التي لا تسمح لفتاة مسلمة أن تغطي رأسها فتطردها من مدارسها لا تتحدث بمفردات الكراهية و لا ثقافتها ، وأما أن تتحدث فضائية الأقصى عن الإرهاب الصهيوني، وجماعات الضغط اليهودي و عن البلاك ووتر التخريبية المرتزقة، فهذه ثقافة الكراهية التي يستحق بث الأقصى بسببها أن يدخل إلى الزنزانة ، و إن ضاقت أرض فرنسا بالنزلاء من شقيقات الفضائية فإلى ( جوانتانامو ) أو كتسيعوت، حيث تكتب سياط العم سام و سياط الصهاينة ثقافة الحب بأحرف من جهنم على أجساد المعتقلين و المختطفين من أحرار الدنيا ، فرنسا التي عانت ظلم النازيين الذين قتلوا أبناءها ، و مزقوا أجساد نسائها ، و حرقوا مكتباتها ولوحاتها و متاحفها، وطاردوا ثوارها، تمارس ذات الفعل النازي على فضائية الأقصى ...
إنها الشيزوفرينيا التي أصابت فرنسا فشطرتها نصفين أحدهما نور و حرية و عدل و مساواة ، و الثاني عنصرية و قتل و دماء و استلاب و هيمنة ، أحدهما نسمع من خلاله (جان فالجان ) صوت ضمير الفقراء و البؤساء في ( البؤساء ) و الثاني هو صوت نابليون بونابرت و كليبر و ساركوزي ، الأول هو صوت رومانسي عذب و رخيم و ريشة فنان ، و خرير نهر السين ، و الثاني صوت السياط والبارود و صوت احتزاز أعناق المجاهدين السوريين واللبنانيين و المراكشيين و الجزائريين و(عبيد أفريقيا)...
هي فرنسا بانفصامها و ازدواجيتها، النور و النار ، العدل و الظلم ، الرحمة والاستبداد ، و للأسف فإن الصفحة الجميلة لوجه فرنسا هي للصليب و النجمة السداسية، وأما الهلال فإليه الهلاك، وهذا يقتضي ملاحقة فرنسا قضائياً فلا يحق لها أن تقترب - فضلاً عن أن تعتدي- على حرية ( الأقصى ) في رأيها و تعبيرها أو حتى تفكيرها، ولتدرك فرنسا أن زمن الهيمنة قد ولى بعد أن أدركت الشعوب حقوقها ، و المقاومة بكل أشكالها حق المضطهدين و المظلومين، وحرية التعبير، ولتدرك فرنسا إن كانت مصالحها مع الكيان الصهيوني فأضعاف أضعاف مصالحها لدى أمة العرب، ولن يطول نومهم.
وإذا ما أفاقوا خسرت فرنسا ، فإذا كان مفكروها استراتيجيين فلينظروا إلى ما وراء هذا الليل ليروا فجراً قادماً له لسان تعرفه الدنيا ، و ليروا إنساناً غير متسامح مع جلاديه ، و يعرف كيف ينتزع حقوقه، ولتدرك فرنسا أن الخطاب الحضاري الذي تريده لا يمكن أن يتقاطع مع المشروع الصهيوني الإجرامي ،و لينهض تلامذة (بيرتراند راسل ) في وجه ساركوزي ليقولوا له : كفــــــى.... مع إدراكي أن على الأقصى أن تعزز ثقافة المقاومة ضد هذا الكيان و من يدعمه فحسب وأما الذين لم يقاتلوا شعبها و لم يطردوهم من ديارهم فلا بأس أن يبروهم ويقسطوا إليهم، ولتشحذ سيف الوعي والحذر لتنزل إلى الميدان بكل طاقاتها القانونية والفكرية والدبلوماسية ومعها أحرار الدنيا من أكاديميين وإعلاميين وساسة ورأي عام لتقول لفرنسا: نعم لوجهك الأول نور وعدل ومساواة، ولا وألف لا لانتهاك حريات خلق الله.
