صناعة الأزمات تعبير مرادف لكلمة (إسرائيل) فمنذ أن نشأ هذا الكيان وهو يحترف هذه الصناعة ، وهو ما عبر عنه مناحيم بيجين في معرض حديث عن شخصية العربي، حيث قال :(ضعه في أزمة جديدة تنسيه الأزمة التي هو فيها ، إذ ينشغل بالثانية) وفعلاً ، فبمتابعة أولية لتاريخ هذا الكيان ، وهو يضربنا في جوانب مختلفة في جسدنا ، فضربة على الذراع تكسره ، وقبل التفكير في علاجه ثم الرد ، يضربنا على ساقنا ، ثم على رأسنا ، فعمودنا الفقري ، وهكذا ، فبعد أن طردونا من بلادنا ، جعلوا منا كالفرخة ( المصووحة ) التي انحصر همها في التفكير أين ستكون الضربة الثانية ؟ ونأخذ في الدوران حول أنفسنا ، في الوقت الذي ينصبون فيه الملاطم يبكون أمنهم المفقود والمهدد ، مستندين إلى جعجعاتنا وعنترياتنا - التي كما قال نزار قباني : ( ما قتلت ذبابة ) - الأمر الذي أغراهم بالتمادي.
فما بين طردنا سنة 1948 إلى احتلالنا سنة 1956 كانت عشرات من الضربات في أنحاء متفرقة في جسدنا المثخن ، قتلوا منا خيرة شبابنا ، ونسفوا مراكز لشرطتنا ، واغتالوا ، حتى رأيناهم في بيوتنا ، وما خرجوا إلا وقد ذقنا على أيديهم الويلات ، لتعود الكرة مرة ومرة ومرات ... حتى احتلونا من المحيط إلى الخليج سنة 1967 ، ولم يكن العدوان الإسرائيلي فيها إلا حلقة صغيرة ( رغم نتائجها الكارثية ) في سلسلة الأزمات التي احترفت (إسرائيل) صناعتها ، ليصل اليهود إلى غايتهم الأسمى ( أرضك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل ) وهو ما عبر عنه أبا إيبان سنة 1965 في تصريح له قد ضمَّنه ماهر الكيالي كتابه (المطامع الصهيونية التوسعية في فلسطين وشمال سيناء )، حيث قال : (ليس من السخف أن نتصور أن قادة العرب يطالبون بالعودة إلى حدود سنة 1967 أو سنة 1968 كما يطالبون اليوم بالعودة إلى حدود سنة 1948 ).
وأبا ايبان كان وزيراً لخارجية (إسرائيل) سنتئذ ، وهو من دهاقنة الساسة الإسرائيليين ، وواحد من أشهر صناع القرار في تاريخها ... واليوم (إسرائيل) تمارس حرفتها ، حتى أصبح المفاوض الفلسطيني لا يجد له طريقاً يسلكه ، وإن وجد فلا نهاية له ، فضلاً عن أنه كثير المزالق والمنعطفات والتشعبات ، وقابل للانهيار في كل حين ، سقفه مرتفع حتى لا تطاله يدٌ حيناً ، وحيناً يزحف مفاوضنا على بطنه لاقتراب السقف من القدم ، هو ما أفصح عنه شامير منذ مؤتمر مدريد، فجرجر مفاوضنا فعلاً لعشرين سنة لا عشر ، من ورطة إلى ورطة ، لم يجد مفاوضنا مناصاً إلا أن يتنازل ويتنازل ، ويحرد ليعود كي يتنازل ، بعد أن كسر شوكته بيده كاستحقاق للمفاوضات ، وأملاً في الحل الذي لن يأتي ، وطمعاً في الدولة التي لن يسمح بها يهود أبداً أبداً، إلا إذا زالت دولتهم !! واليوم تضعنا (إسرائيل) في أزمة المصالحة .. بل أزمات المصالحة ..
ثم تفجر لنا بجانبها ألف أزمة ؛ من ترحيل 70.000 فلسطيني من الضفة ، إلى طرد 30 مقدسياً ، إلى اجتياح الخليل ، إلى قرصنة إجرامية في المياه الدولية لأسطول الحرية ، إلى دهس ثم دهس ثم دهس لرجال ونساء وأطفال في الخليل ، إلى لجنة محلية للتحقيق في عملية الجيش الإسرائيلي ( البطولية ) للدفاع عن النفس ، إلى زيارة نتنياهو إلى شرم الشيخ ، إلى تهديدات إيران وحزب الله وسوريا والدنيا كلها ، إلى تصريحات جندلمان التي تبعث على الغثيان ، إلى مليون اتصال من عملاء الموساد لمواطنين غزيين بهدف ربطهم ، والإرشاد إلى شاليط مقابل عشرة مليون دولار ( وسرك في بير ) إلى مفاوضات مباشرة وغير مباشرة ، واستمرارية الحصار ..
ثم انشغال المحللين بأن (إسرائيل) في ورطة، أو في مأزق لم تمر به منذ إنشائها ... لأقول : في هذه الدوامات التي يشغلنا بها الصهاينة ، والإحساس ( المنعش ) بأن (إسرائيل) مأزومة ، وأن الصهاينة يطالبون بإقالة باراك ، أحذِّر من أزمة لا أبرئ (إسرائيل) من الإعداد لها ، هي حرب على غزة ، لينشغل العالم بها ، ولأن (إسرائيل) في ورطة كبيرة ، فهي تعد لأزمة تتناسب معها ، لإشغال الدنيا بها ولا يكون ذلك إلا بتلك التي أحذِّر منها ، بذريعة أن حماس تملك صواريخ ( بالملايين) على رأي جندلمان ، ولا أستهجن أن تقول: إن منها ما هو طويل المدى ، وها هي تدعي أن صاروخاً وقع في النقب ، وأن حماس كيان إرهابي لابد من استئصاله ، ليعود شركاؤهم في السلام إلى غزة ، إلى تنفيذ أوامر نتنياهو للجيش للعمل بإطلاق سراح شاليط.
أو أن غزة أوشكت أن تكون قاعدة حربية للقوات الإيرانية ، أو التركية .. وهذا يقتضي الاستعداد التام للدفاع عما بقي من هذا الوطن ، والدفاع عن المقاومة ، وعن الحق الفلسطيني والإنسان الفلسطيني ، ويقتضي تحشيد كل القوى المحبة للخير والحرية في وجه هذا الكيان ( السرطاني ) ويقتضي رص الصفوف ، والتعجيل بمصالحة وطنية شاملة على قاعدة المقاومة بكل أشكالها ، وفي مقدمتها ( المسلَّحة ) وإطلاق الحريات، وفك وثاق المعتقلين السياسيين ، وفي مقدمتهم حملة البنادق ، وإلا ؛ فإن هؤلاء المجرمين سيضربوننا بغتة ، وتنضاف سنة جديدة إلى سنوات 67،56،48.


